3 أسعار للمازوت في سوريا... هل تنخفض معها فاتورة المعيشة؟
بين سعر المازوت في المحطة وكلفة الطعام والتدفئة والنقل، ينتظر السوريون الأثر الفعلي لمراجعة أسعار الوقود. فبعد احتجاجات على الزيادة الأخيرة، أعلنت الحكومة السورية توفير نوعين أرخص من المازوت لاستخدامات محدّدة، مع إبقاء سعر النوع النظامي. وتفتح الخطوة باباً لتخفيف الأعباء، لكن مقدار الوفر الذي سيصل إلى الأسر يتوقف على المستفيدين من الأسعار الجديدة، والكميات المتاحة، وانتقال انخفاض كلفة الإنتاج إلى أسعار السلع والخدمات.
جاءت المراجعة بعدما أثار رفع سعر المازوت بنسبة 40 في المئة احتجاجات وقطع طرق. وفي بلد يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90 في المئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر، تضيق قدرة العائلات على استيعاب زيادات تمتد آثارها من الوقود إلى معظم نفقاتها اليومية.
من يستفيد من أسعار المازوت الجديدة؟
أعلن وزير الطاقة محمد البشير، الخميس، عقب اجتماع مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تخصيص مازوت للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة بسعر 115 ليرة لليتر (نحو 0.85 دولار)، ونوع لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة بسعر 150 ليرة (نحو 1.11 دولار). ويستمر بيع المازوت النظامي بسعر 175 ليرة (نحو 1.30 دولار)، فيما بقيت أسعار البنزين والغاز دون تعديل.
يعني ذلك أن المراجعة جزئية، وأن التخفيض يرتبط بمواصفات المادة واستخدامها. فالأسرة المشمولة بمازوت التدفئة تستطيع تحقيق وفر مباشر عند شرائه، أما استفادتها من انخفاض كلفة الزراعة والإنتاج فتحتاج إلى أن ينعكس هذا الانخفاض على ما تدفعه في السوق.
وهذا الفارق أساسي لقراءة القرار. فتوفير الوقود الأرخص للمزارع أو المنشأة قد يساعد على كبح زيادات إضافية في الأسعار، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تراجعها فوراً؛ إذ تدخل في التسعير نفقات أخرى، منها النقل والأجور والمواد الأولية. لذلك، يُقاس أثر المعالجة أيضاً بقدرتها على حماية استمرارية العمل والإنتاج.
سياسياً، تتيح مراجعة القرار للحكومة إظهار مرونة في التعامل مع المطالب المعيشية، وتوجيه المساعدة إلى استخدامات أساسية، مع الحفاظ على موارد لتأمين الإمدادات. وتبقى قيمة هذه الاستجابة مرتبطة بوضوح التنفيذ وسرعته.

نحو 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (أ ف ب)
لماذا يصعب خفض الأسعار للجميع؟
تواجه الحكومة فجوة واسعة بين الإنتاج المحلي واحتياجات البلاد. وبحسب البشير، تنتج سوريا نحو 108 آلاف برميل من النفط يومياً، مقابل احتياجات تتراوح بين 300 ألف و350 ألف برميل. وتزامن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً مع توقف مصفاة بانياس للصيانة، ما زاد الاعتماد على استيراد المشتقات الجاهزة الأعلى كلفة.
وتوضح هذه المعطيات صعوبة الفصل بين سعر الوقود وقدرة الدولة على مواصلة شرائه. فالتخفيض الواسع يحتاج إلى تمويل مستمر، فيما يتيح تنويع المنتجات والأسعار تخفيف العبء عن فئات محدّدة وفق طبيعة استهلاكها.
ضمن هذه المقاربة، أعلنت الوزارة إعادة تشغيل مصافٍ محلية بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من الخام، وتخصيص إنتاجها من المازوت للفئات المستحقة. وكانت الشركة السورية للبترول لا تزال تعدّ خطة التنفيذ عند الإعلان، مع ربط بدء الخطوات العملية بالجاهزية الفنية والإجرائية. وتعهد الوزير بعكس وفورات التكرير المحلي وتراجع تكاليف الاستيراد على الأسعار.
ضبط التوزيع شرط لنجاح التخفيض
أمام التسعير المتعدد، تصبح آلية التوزيع جزءاً من جدوى التخفيض نفسه. فالمستفيد يحتاج إلى معرفة شروط الحصول على المادة، وحصته منها، ومكان بيعها، ومدى ملاءمة مواصفاتها لمعداته. ويحتاج انتظام الإمدادات إلى رقابة تمنع خلط الأنواع أو إعادة بيع الوقود الأرخص خارج الاستخدامات المخصّصة له.
كذلك، يتيح إعلان عناصر الكلفة ومواعيد مراجعة الأسعار للمزارعين والمنشآت ترتيب نفقاتهم، ويمنح الأسر أساساً أوضح للتخطيط. أما متابعة أسعار النقل والمنتجات الزراعية والخدمات، فتساعد على معرفة أين تحقق الوفر وأين توقّف.
بهذا المعنى، تبدأ المرحلة الأهم بعد إعلان الأسعار الثلاثة. فإذا توافر المازوت الأرخص بانتظام ووصل إلى مستحقيه، يمكن أن يمنح الحكومة مجالاً لتأهيل قطاع الطاقة، ويخفّف في الوقت نفسه نفقات أساسية عن السوريين. وعندها يصبح أثر القرار قابلاً للقياس في كلفة تدفئة منزل وتشغيل مزرعة وسعر سلعة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.