العراق وسوريا ولبنان... هل تعيد جولة الزيدي رسم خريطة المصالح الاقتصادية في المشرق؟
تتجه الأنظار إلى جولة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى كل من لبنان وسوريا، في تحرك يتجاوز إطار الزيارات الدبلوماسية التقليدية، ليضع مستقبل العلاقات الاقتصادية بين بغداد وبيروت ودمشق أمام اختبار جديد، عنوانه تحويل الروابط التاريخية والجغرافية إلى مصالح تجارية واستثمارية ومشاريع استراتيجية قابلة للتنفيذ.
وتأتي الجولة، المقرر أن تبدأ من بيروت قبل الانتقال إلى دمشق، في وقت تسعى فيه الدول الثلاث إلى توسيع خياراتها الاقتصادية، وتنشيط حركة التجارة والنقل، وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية في ظل تحديات أمنية وضغوط مالية واضطرابات تؤثر في طرق الإمداد والطاقة والتبادل التجاري.
وتكتسب هذه الجولة أهميتها من طبيعة العلاقات التي تربط العراق بكل من سوريا ولبنان، ومن تداخل المصالح الاقتصادية بين البلدان الثلاثة، سواء عبر تجارة السلع والمنتجات الزراعية والصناعية، أو من خلال إمدادات النفط ومشتقاته، أو عبر الطرق البرية التي يمكن أن تصل الأسواق العراقية بالموانئ السورية واللبنانية على البحر المتوسط.
يحتاج العراق، الذي يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على صادرات النفط، إلى تنويع مسارات تصدير موارده وتقليل تعرضها إلى المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية، فيما تمثل سوريا بحكم موقعها الجغرافي ممراً محتملاً للتجارة والطاقة بين العراق والساحل المتوسطي، ويملك لبنان موانئ وخبرات تجارية وخدماتية يمكن أن تتيح فرصاً للتعاون في الاستيراد والتصدير والاستثمار والخدمات اللوجستية.
غير أن تحويل هذه الإمكانيات إلى مكاسب اقتصادية فعلية يرتبط بتوافر البنية التحتية، واستقرار القواعد المنظمة للتجارة، وكفاءة المنافذ الحدودية، وتكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن القدرة على معالجة العقبات الإدارية والمالية التي قد تعترض حركة السلع ورؤوس الأموال.
من كركوك إلى المتوسط... جذور التعاون وفرص إحياء خطوط النفط
وتعود الجذور الاقتصادية لهذه العلاقات إلى عقود طويلة، حين لم تكن الحدود السياسية بين دول المشرق العربي عائقاً أمام تشكل شبكات للتجارة والنقل والطاقة، بل كانت المنطقة مترابطة عبر طرق برية وأسواق متكاملة وموانئ تتوزع أدوارها بين الإنتاج والتخزين والتصدير.
وتبرز في هذا السياق التجربة التاريخية لخط أنابيب كركوك–بانياس، الذي دخل الخدمة في عام 1952 لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، موفراً للعراق منفذاً غربياً لتصدير الخام، ومتيحاً لسوريا دور دولة العبور والاستفادة من البنية التحتية المرتبطة بنقل الطاقة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الخط امتد لنحو 895 كيلومتراً، فيما بلغت طاقته السنوية الأصلية نحو 13.5 مليون طن، قبل أن يتعرض مساره إلى التوقف والانقطاع نتيجة الخلافات السياسية والتطورات الإقليمية، وصولاً إلى خروجه من الخدمة بعد الأضرار التي لحقت به خلال حرب العراق في عام 2003.
خط كركوك-بانياس... فرص التصدير وشروط إعادة التشغي
ولا تقتصر دلالة هذا الخط على كونه مشروعاً نفطياً قديماً، بل تكمن أهميته في أنه يجسد نموذجاً تاريخياً لتكامل المصالح الاقتصادية بين العراق وسوريا، ويعيد طرح سؤال جوهري في شأن قدرة البلدين على استثمار الجغرافيا في بناء ممرات تجارية وطاقوية جديدة.
ذلك أن إحياء هذا المسار، أو تطوير خطوط بديلة تربط حقول النفط العراقية بالساحل السوري، يمكن أن يفتح أمام بغداد خيارات إضافية لتصدير الخام، ويمنح دمشق عوائد محتملة من خدمات العبور والنقل والتشغيل والاستثمار، كما قد يتيح فرصاً لربط هذه البنية التحتية بموانئ وأسواق أخرى في شرق المتوسط.
لكن هذا الاحتمال يظل مشروطاً بالدراسات الفنية والمالية، وتحديد تكاليف إعادة التأهيل، وتوفير التمويل والضمانات الأمنية، والاتفاق على آليات التشغيل والرسوم، فضلاً عن ضمان الجدوى التجارية للمشروع في ضوء تقلبات أسواق النفط وتكاليف النقل البديلة.
إحياء خط كركوك–بانياس يفتح للعراق نافذة إضافية على المتوسط... فهل تتوافر شروط التمويل والأمن والجدوى لتحويل الفرصة إلى واقع؟
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف الطاقة بات حاضراً بقوة في الاتصالات العراقية السورية. من المقرر أن تتناول مباحثات الزيدي في دمشق إعادة إحياء خط كركوك-بانياس، أو تطوير مسارات تصدير بديلة عبر الأراضي السورية، إلى جانب ملفات أمن الحدود ومكافحة التهريب. إضافة الى إجراءات لتسهيل حركة التجارة والشاحنات وتبادل البيانات الجمركية إلكترونياً، وتوسيع منفذ ربيعة، واستكمال متطلبات استئناف حركة المسافرين عبر منفذ الوليد.
وتمثل هذه الإجراءات مؤشرات إلى أن التعاون الاقتصادي لا يبدأ من المشاريع الكبرى وحدها، بل يتطلب أيضاً تحسين التفاصيل التشغيلية التي تحدد سرعة انتقال البضائع وتكلفة وصولها إلى الأسواق.
العراق ولبنان... من إمدادات الوقود إلى توسيع الشراكات
أما العلاقة الاقتصادية العراقية اللبنانية، فتستند إلى مسار تاريخي مختلف في بعض جوانبه، إذ ترتبط العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعام 1943، وتطورت عبر عقود من التبادل التجاري والاتصالات السياسية والروابط الاجتماعية، وإن تأثرت مراحلها المختلفة بالتغيرات الإقليمية والأزمات الداخلية.
ويبرز قطاع الطاقة بوصفه أحد أكثر مجالات التعاون وضوحاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ تموز (يوليو) 2021، حين بدأ العراق تزويد لبنان بشحنات من زيت الوقود العالي الكبريت في مقابل خدمات، وذلك في إطار مسعى للمساعدة في تلبية احتياجات قطاع الكهرباء اللبناني في ظل أزمة الطاقة والانقطاعات الواسعة في التغذية الكهربائية.
وفي تموز 2023، أعلنت وزارة النفط العراقية توقيع مذكرة تفاهم لتوريد الوقود والنفط الخام إلى لبنان، بما يعكس انتقال التعاون من الدعم الظرفي إلى البحث عن ترتيبات أكثر انتظاماً لتنظيم الإمدادات والالتزامات الفنية واللوجستية.
وفي هذا الإطار، لا تنحصر المصالح اللبنانية في الحصول على إمدادات الطاقة، كما لا تقتصر المصالح العراقية على توفير الوقود أو توسيع العلاقات السياسية، بل تتسع لتشمل إمكان تطوير شراكات في التجارة والاستثمار والنقل والخدمات، والاستفادة من الخبرات اللبنانية في مجالات الأعمال والخدمات المهنية، إلى جانب فرص تصدير المنتجات الزراعية والصناعية وتسهيل وصولها إلى الأسواق.
وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد زار بغداد في تموز 2026، حيث بحث مع الزيدي تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع الشراكة الاقتصادية، فيما تتناول الاتصالات بين الجانبين ملفات الطاقة والتجارة والاستثمار. وشهدت العلاقات في أيلول (سبتمبر) 2025 توقيع اتفاق تعاون وسبع مذكرات تفاهم شملت التبادل التجاري والترويج للصادرات والنقل البري والاستثمار والمعارض، في خطوة تستهدف توسيع الإطار المؤسسي للعلاقات الاقتصادية.
الربط الاقتصادي الثلاثي... التمويل والمعابر اختبار التنفيذ
وتتصل أهمية الجولة المرتقبة أيضاً بالعلاقة الثلاثية بين العراق وسوريا ولبنان، إذ إن أي توسع في التعاون بين بغداد ودمشق يمكن أن ينعكس على فرص الربط التجاري مع بيروت، سواء من خلال نقل البضائع براً، أو تطوير مسارات عبور الطاقة، أو تسهيل وصول المنتجات العراقية إلى أسواق شرق المتوسط.
وتتيح الجغرافيا، من حيث المبدأ، بناء ممر اقتصادي متصل يبدأ من الأسواق العراقية ويمر عبر الأراضي السورية وصولاً إلى الموانئ والأسواق اللبنانية، بما يفتح خيارات إضافية للنقل والتصدير والاستيراد. إلا أن نجاح هذا التصور لا يتحقق بمجرد الاتفاق السياسي، بل يتطلب تنسيقاً بين الحكومات والهيئات الجمركية وشركات النقل، وتوحيداً أو مواءمةً للإجراءات والمستندات، وتطويراً للطرق والمستودعات ومرافق المناولة، ومعالجة الفوارق في الرسوم والتكاليف والقيود التي قد تؤخر عبور الشاحنات.
وتظل الأوضاع الأمنية والسياسية، والقدرة على حماية البنية التحتية وضمان استمرارية العمل في المنافذ، عوامل حاسمة في تحديد مدى قابلية هذا الممر للتوسع والاستدامة.
مظهر محمد صالح لـ"النهار": التعاون يحتاج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ
من جهته قال المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح، لـ"النهار"، "ان العلاقات الاقتصادية بين بغداد ودمشق وبيروت تمتلك فرصاً واسعة للتطوير، في ظل ما توفره الجغرافيا من إمكانيات لربط الأسواق وتنشيط حركة البضائع وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، والمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مستوى التفاهمات السياسية إلى برامج عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ".
ولفت صالح إلى ان "العراق يمكنه الاستفادة من موقع سوريا بوصفها ممراً برياً باتجاه البحر المتوسط، ومن الإمكانيات التجارية والخدماتية التي يوفرها لبنان، بما يدعم تنويع منافذ التجارة ويعزز فرص وصول المنتجات العراقية إلى أسواق جديدة، إلى جانب البحث في فرص التعاون في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة".
وأكد ان "التعاون مع سوريا يكتسب أهمية خاصة في ما يتعلق بتسهيل حركة الشاحنات عبر المنافذ الحدودية، وتطوير البنية التحتية للنقل، ودراسة إمكانيات التعاون في مجال تصدير النفط، فيما يمثل التعاون مع لبنان فرصة لتوسيع التبادل التجاري والاستثماري، وتطوير الشراكات في قطاعات الطاقة والخدمات والقطاع الخاص".
وأضاف ان "تحقيق تقدم ملموس في العلاقات الاقتصادية بين الدول الثلاث يتطلب معالجة التحديات المرتبطة بالإجراءات الجمركية، وتكاليف النقل، وتمويل المشاريع، وتوفير بيئة قانونية وإجرائية مستقرة تشجع المستثمرين والشركات على توسيع نشاطها".
وشدد المسؤول العراقي ان "نجاح التعاون الاقتصادي مرهون بوجود اتفاقات واضحة تتضمن أهدافاً محددة وجداول زمنية وآليات للمتابعة والتنفيذ، بما يضمن تحقيق مصالح متبادلة ويحول التقارب السياسي إلى نتائج اقتصادية تنعكس على التجارة والاستثمار وفرص العمل في البلدان الثلاثة".
ومن هنا، فإن السؤال الاقتصادي الأبرز الذي تطرحه جولة الزيدي لا يتعلق فقط بما إذا كانت بغداد ستوقع اتفاقات جديدة مع بيروت ودمشق، وإنما بمدى قدرتها على تحويل العلاقات القائمة والفرص المتاحة إلى مشاريع محددة، تتضمن جداول زمنية وتمويلاً واضحاً والتزامات متبادلة وآليات متابعة.
في الملف السوري، تتقدم أهمية استقرار المعابر وتنشيط التجارة والنقل، إلى جانب مستقبل خطوط تصدير النفط والتعاون في إعادة تأهيل البنية التحتية. وفي الملف اللبناني، تبرز الحاجة إلى تطوير ترتيبات الطاقة، وتوسيع التبادل التجاري والاستثماري، وتفعيل مذكرات التفاهم بما يضمن انتقالها من الإطار الرسمي إلى النشاط الاقتصادي الفعلي.
وبين الخلفية التاريخية التي شهدت مرور النفط العراقي عبر سوريا نحو البحر المتوسط، والتجربة الأحدث في توريد الوقود إلى لبنان، تقف الدول الثلاث أمام فرصة لإعادة بناء جزء من الروابط الاقتصادية التي تراجعت بفعل الحروب والخلافات السياسية والأزمات المتراكمة. غير أن هذه الفرصة تواجه تحديات لا يمكن تجاهلها، تتعلق بتكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية، ومخاطر النقل العابر للحدود، والتمويل، والإجراءات الجمركية، واستقرار الأطر القانونية، فضلاً عن المنافسة بين طرق التصدير والموانئ الإقليمية.
لذلك، ستتحدد الأهمية العملية للجولة بمدى ما تسفر عنه من تفاهمات قابلة للتنفيذ، وبقدرة بغداد وبيروت ودمشق على بناء تعاون اقتصادي مؤسسي ومستدام، يحقق مصالح متبادلة، ويمنح التجارة والطاقة والنقل دوراً أكثر استقراراً في العلاقات بين البلدان الثلاثة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.