محللون يشرحون لماذا صعّد ملك الأردن لهجة خطابه في الأمم المتحدة تجاه إسرائيل؟

عمّان، الأردن (CNN) -- أعاد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، بقوة، أنظار المجتمع الدولي إلى ما وصفه بـ"الأطماع التوسعية" لهذه الحكومة الإسرائيلية، محذرًا من أنها باتت "تهديدًا إقليميًا"، وذلك في خطابه الثلاثاء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وعلى مدى قرابة 20 دقيقة، استحوذ الملفان الفلسطيني والسوري على جانب رئيسي من مضامين الخطاب، الذي اتسم بلهجة "حادة" في تناوله للسياسات الإسرائيلية، ووجّه خلاله الملك رسائل متعددة إلى المجتمع الدولي بشأن ما يجري في غزة والضفة الغربية، وما وصفه بالتوسع الجغرافي الإسرائيلي في جنوب سوريا.
ولم يقتصر الخطاب على تشخيص التطورات في الأراضي الفلسطينية وسوريا، بل حمل تنبيهات إلى الخارج و"تعبئة" إلى الداخل الأردني، بحسب مراقبين، في ما بدا تحذيرًا واضحًا من مخاطر ترى عمّان أنها قد تترتب على استمرار السياسات الإسرائيلية، سواء في الضفة الغربية وما قد تفضي إليه من تصعيد وتهجير قسري، أو في الجنوب السوري وما قد ينجم عن التوغلات الإسرائيلية فيه من مخاطر على الأمن القومي الأردني.
وفي هذا السياق، حذر الملك من أن شعور الحكومة الإسرائيلية بقدرتها على الإفلات من العقاب "وصل إلى مراحل مرعبة"، قبل أن يربط ذلك بما قد يتجاوز الساحة الفلسطينية، قائلًا إن "طموحاتها لن تتوقف عند فلسطين". وأضاف أن "الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديدًا إقليميًا"، في إشارة مباشرة إلى تداعيات ما يجري في سوريا.
ويسبق الخطاب الملكي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، موعد استحقاق انتخابات الكنيست الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، إذ يفصل بينها وبين الخطاب نحو 35 يومًا.
ودعا الملك إلى تسمية الأمور بمسمياتها، معتبرًا أن ما يجري في غزة لم يعد من الممكن اختزاله باعتباره مجرد تبعات للحرب أو تدابير عسكرية مؤقتة، وقال: "المساءلة تبدأ عندما نسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية: محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة". كما وصف "الاستيلاء على الأراضي بأنه ليس تسجيلًا للأراضي"، وإنما "ضم فعلي لها"، فيما وصف التهجير القسري بأنه "جريمة حرب".
أردنيًا، تفاعلت أوساط سياسية وشعبية مع الخطاب، فيما رأى الكاتب والمحلل السياسي الأردني ماهر أبو طير، بأن خطاب الملك في الأمم المتحدة كان "حادًا جدًا"، مقارنة بخطاباته السابقة التي لم تخلُ، بحسبه، من حدّة تجاه أبرز الملفات، مشيرًا إلى أن الخطاب جاء في "توقيت في غاية الحساسية"، في ظل ما وصفه بطوق من المهددات الأمنية الإسرائيلية المتوسعة التي تحيط بالأردن من حدوده الغربية والشمالية.
ويرى أبو طير في حديث لموقع CNN بالعربية، بأن "أخطر" ما في الخطاب هو الدعوة الملكية الصريحة إلى "اتخاذ إجراءات فعلية، مثل فرض العقوبات، وتجميد الأصول المالية المتعلقة بإسرائيل، والعزل الدبلوماسي، والانتقال إلى مرحلة تتجاوز مجرد الإدانة لما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة"، وفق تعبيره.
وتتصل هذه القراءة بما ورد في الخطاب الملكي نفسه، إذ قال الملك إن المجتمع الدولي يمتلك أدوات، من بينها "العقوبات، وتجميد الأصول، وفرض الحظر، والعزل الدبلوماسي"، لكنه أضاف أنه عندما يتعلق الأمر بإسرائيل "تبقى القرارات حيث بدأت: حبرًا على ورق"، معتبرًا أن النتيجة هي "دولة بلا رادع".
ويرى أبو طير أيضًا، أن إشارة الملك إلى شعور إسرائيل بقدرتها على الإفلات من العقاب تعكس، بحسب قراءته، احتمال انتقال هذه السياسات إلى "مناطق ثانية ودول ثانية"، بما يعني، وفق تقديره، أن إسرائيل ستواصل هذه السياسات التوسعية والعدوانية.
ويضيف أبو طير لـCNN بالعربية: "أعتقد بشكل واضح أن المستقبل يؤشر على تصعيد إسرائيلي عنيف سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا ضد الأردن خلال الفترة المقبلة، على ألسن مسؤولين إسرائيليين وإعلاميين".
ويساور الأردن القلق باستمرار، حيال مخططات فصل ملف قطاع غزة عن الضفة الغربية من جهة وإجهاض الحل السلمي للقضية الفلسطينية، وتهديد اليمين الإسرائيلي المتكرر من جهة أخرى وفقا لمراقبين، بدفع نحو 350 ألف فلسطيني إلى الأردن بحسب تقديرات غير رسمية، يقيمون في الضفة الغربية ويحملون الجنسية الأردنية.
ورجّح أبو طير أيضا أن تطلق إسرائيل، بحسب تقديره، "حملات تحريضية باللغة العربية" عبر وسائل مختلفة، قد تتناول ملفات داخلية أردنية، باعتبارها ردًا على التصريحات التي قيلت في مؤسسة دولية وأمام المجتمع الدولي.
ومن جانبه، اعتبر العضو في مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة، أن حدة الخطاب الملكي حملت "مضامين كبيرة ورئيسية"، وتعكس استشعار الملك عبدالله الثاني "دقة الظرف ودقة اللحظة"، خصوصًا فيما يتعلق بالمشهدين الفلسطيني والسوري.
وأضاف العياصرة لموقع CNN بالعربية، بأن الملك "هزّ قادة العالم كلهم، ونبّههم إلى خطورة الاعتياد على ما يجري في المنطقة أو عدم الاهتمام به"، مؤكدًا أن الرسالة كانت واضحة: "يجب أن تهتموا بما يقال وما يجري في المنطقة".
وبحسب العياصرة، لم يتوقف الخطاب عند وصف ما يجري، وإنما واجه الروايات التي تُطرح لتبرير هذه السياسات، إذ قال إن الملك "حطّم كل الروايات الإسرائيلية التي يتم تداولها"، بما فيها "مفهوم الحرب الدينية"، وكذلك الرواية المتعلقة بسلوك إسرائيل في الضفة الغربية تحت عنوان حفظ الأمن.
وأشار العياصرة، في هذا السياق، إلى أن الملك واجه بشكل مباشر التوصيفات الإسرائيلية لما يجري على الأرض، ومنها الحديث عن تسجيل الأراضي، قائلًا إن الملك "كسر كل المفاهيم المتعلقة بذلك"، في إشارة إلى ما ورد في الخطاب من حديث عن "الاستيلاء على الأراضي المحتلة". كما لفت إلى أن الملك أبقى "القضية الفلسطينية"، بما فيها غزة والضفة الغربية، ضمن سياق فلسطيني واحد.
ورأى العياصرة أن من أبرز ما حمله خطاب الملك توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بشأن الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن غياب شريك فلسطيني للسلام، مشيرًا إلى أن الملك "ردّ على ذلك بالقول إنهم يتحدثون عن عدم وجود شريك أو طرف آخر، لكنهم هم من ليسوا شريكًا، ونحن لا نجد حكومة إسرائيلية يمكننا الحديث معها".
وفي هذا السياق تحديدًا، توقف العياصرة عند استناد الملك إلى مبادرة السلام العربية التي أُطلقت عام 2002. وقال إن المبادرة عرضت على إسرائيل تطبيع العلاقات مع "57 دولة عربية ومسلمة"، وشملت إيران والعراق في حينه، مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية.
وفي الشأن السوري، قال العياصرة إن الملك استند إلى "الداخل الأردني والأمن القومي الأردني"، مؤكدًا أن الأردن "لا يمكن أن يغض الطرف عن مصالحه في الجنوب السوري". وأضاف أن هذه الرسالة يمكن، برأيه، "استنساخها وربطها بملف الضفة الغربية"، في إشارة إلى وضوح الموقف الأردني من أي تطورات تمس الأمن الوطني.
وتنظر عمّان، وفق مراقبين، إلى محاولات تل أبيب فرض واقع جديد في الجنوب السوري باعتبارها مصدرًا لمخاطر أمنية متزايدة، تشمل مخاوف من السيطرة على الأحواض المائية التي تزود الأردن بالمياه، وتزايد تهريب المخدرات من الجنوب السوري إلى الأردن خلال الأسابيع الأخيرة.
وأبرمت الحكومة الأردنية تفاهمات أولية مع الجانب السوري في أبريل/نيسان 2025، لإعادة هيكلة إدارة موارد مياه حوض نهر اليرموك وتقاسم المياه، إلا أن المعلومات الراشحة تتحدث عن محاولة إسرائيل السيطرة على أحواض المياه في الجنوب السوري.
كما تبرز مخاوف من السعي إلى إقامة كيان منفصل في محافظة السويداء قرب الحدود مع الأردن، بما قد يؤثر في الامتداد الجغرافي والاقتصادي بين الأردن وسوريا، فضلًا عن احتمال أن تؤدي الفوضى في الجنوب إلى موجات نزوح جديدة وارتدادات أمنية تمتد إلى غرب العراق.
ومن هنا، رأى العياصرة أن طرح الملك تساؤلات مباشرة على المجتمع الدولي بشأن التداعيات المحتملة لما يجري في الجنوب السوري يكتسب أهمية خاصة، حين قال: "أما بالنسبة للأردن، فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا". ثم طرح الملك سؤالًا مباشرًا على المجتمع الدولي: "إذا استمرت إسرائيل بنهجها العدواني في جنوب سوريا، هل سيدعها المجتمع الدولي تتمادى في ذلك دون أن يحرك ساكنًا؟".
وبحسب العياصرة، فإن أهمية هذا الجزء من الخطاب لا تقتصر على الجنوب السوري، وإنما تكمن أيضًا في تثبيت معادلة واضحة تتعلق بالمصالح والأمن الأردنيين، وهي رسالة يمكن، وفق تقديره، إسقاطها على أي تطورات في الضفة الغربية قد تمس الأردن.
ويرى العياصرة أن تصعيد الخطاب الملكي تجاه إسرائيل، "قد ينعكس" على مستوى المواجهة الدبلوماسية والخطاب السياسي، وأن يترك تداعيات محتملة على أجواء الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، خصوصًا أن الأردن يرتبط بإسرائيل باتفاقية سلام، فيما وجّه الملك "إدانة" مباشرة إلى السياسات الإسرائيلية من منبر أممي دولي.
ومن الملف السوري، انتقل العياصرة في حديثه إلى البعد الإقليمي الأوسع في الخطاب، مشيرًا إلى أن الملك "ارتقى بالخطاب" ليضع في سياقه أيضًا ما يجري على مستوى المنطقة، لافتًا إلى أنه "لم يشتبك مع ملف الحرب الأمريكية الإيرانية" مطوّلا، وترك هذا الملف، بحسب تقديره، لقادة الدول الخليجية، لكنه تحدث عن أن "ما يجري في المنطقة من اضطراب وتصعيد سيؤثر على كل العالم".
وربط العياصرة ذلك، بما أورده الملك عن تأثير الأزمات الإقليمية على الاقتصاد العالمي وحياة الناس، بما في ذلك أسعار الطاقة والغذاء وحركة التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد، معتبرًا أن هذه "لفتة ذكية".
وكان الملك قد أشار في خطابه إلى أن حرب إيران أظهرت مدى سرعة تأثير انعدام الاستقرار في تعطيل حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس خارج حدود المنطقة.
وقال العياصرة إن لغة الخطاب جمعت بين اللهجة الحازمة والتأكيد على أن الأردن ما يزال متمسكًا بالدبلوماسية والسلام، مع الجزم بأن ذلك ليس ضعفا بل خيارات أردنية، دون التنازل عن المصالح الوطنية كأولوية.
وبتقدير العياصرة فإن الخطاب "غير مسبوق"، ويحاكي خطاب الملك أمام الكونغرس الأمريكي عام 2007، واصفًا إياه بأنه كان خطابًا "حادًا فيه مباشرة ووضوح واستشعار راداري دقيق لما يجري في المنطقة"، وأنه جاء، بحسب تعبيره، بمثابة "دق ناقوس الخطر وتعريَة الرواية الإسرائيلية بشكل مباشر".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.