هل يعزز لبنان أوراقه التفاوضية في الوقت الضائع؟
على رغم وجاهة المبررات التي يقدمها لبنان الرسمي لعدم إقدامه على تنفيذ قرار حصر السلاح في يد الدولة بالقوة، تفادياً لمواجهة داخلية أو حرب أهلية كما أعلن أكثر من مرة، فهو بالنسبة إلى مراقبين ديبلوماسيين أضعف موقفه وحشر نفسه في خانة خيارات أقل ما يقال فيها إنها مربكة بالنسبة إليه.
والحال أن تثبيت سلطته بات رهنا بجملة عوامل تتلخص في إقناعه الحزب بالتجاوب مع قرارات الدولة في ظل رهان على حتمية تقديم مصلحته المباشرة في الحد من خسائره وإعادة بيئته إلى القرى التي نزحت ننها، وهو أمر يرفضه الحزب كليا حتى الآن على الأقل. وهذا لا ينطوي على دعوة إلى أيّ مواجهة عسكرية، بل دعوة إلى اعتماد حزم تراجعت عنه الدولة حتى في محاولتها نزع سلاح المخيمات الفلسطينية قبل أشهر، في وقت يتشدد الحزب أكثر ويظهر تعنتا وتمردا، مطمئنا إلى أن الدولة لن تقسو عليه.
ومعلوم أن الأمر يرتبط أيضاً بعامل أبعد يتصل بمساومات تجريها طهران ربطاً بمفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وهنا يعود لبنان فيربط أموره بمسار المفاوضات على خط واشنطن - طهران، على رغم سعيه الدؤوب للحؤول دون ذلك. وهو ربما ينتظر أن تستكمل إسرائيل حربها على الحزب من أجل إضعافه أكثر، علما أن محاولات عدة جرت مع الحزب خلال العام الماضي لإقناعه بجدوى حسن الاختيار من دون طائل.
ومن شأن هذا الاحتمال رفع الكلفة على لبنان إلى مستويات مختلفة، فيما بقاء إسرائيل في الجنوب حتى امتلاك الجيش اللبناني القوة الكافية وفق كلام السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، أو حتى نزع الدولة اللبنانية سلاح الحزب وضمان عدم عودته مجددا إلى الجنوب وفق مسؤولين إسرائيليين، يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار تنفيذ التزاماتها، في مقابل الحصول على ثمن من إسرائيل.
هل يمكن أن يحسّن لبنان موقعه التفاوضي في الوقت الضائع أو الفاصل عن الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، وحتى عن تأليف حكومة إسرائيلية جديدة بتعزيز تثبيت سلطته؟ وهل حصل على ضمانات أميركية أن إسرائيل لا تهدر راهنا فرصة مناسبة تتيح للدولة اللبنانية تعزيز فرصها بفرض سيادتها على أراضيها وتقوية الجيش اللبناني؟
خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنه أكد له أن اتفاق الإطار "يمثل المسار الوحيد للتوصل إلى سلام دائم بين لبنان وإسرائيل"، في طمأنة معلنة ومتجددة إلى أن مسار لبنان سيبقى منفصلاً عن المسار الإيراني، وهو السبيل الوحيد المعبّر عن الدولة اللبنانية وقرارها، في منأى عن "النفوذ الضار لحزب الله وإيران"، معتبراً أن الإطار الثلاثي هو الحل الوحيد لتحقيق سلام دائم بين البلدين.
وما بين زيارة الرئيس جوزف عون للبيت الابيض ولقاء سلام - روبيو قبل يومين، ذروة ما يمكن تفعيله على خط الاعتماد على الولايات المتحدة، في وقت بات واضحا أن على لبنان تثبيت خطواته في شكل أكبر وأهم مما حصل حتى الآن. وأهمية ما قاله سلام أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بالنسبة إلى البعض، طمأنته الداخل إلى عدم تخلي لبنان عن القرار 1701 ورغبته في العودة إلى اتفاق الهدنة بناء على ملاحظات قدمها كثر، لخلوّ اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل من أيّ إشارة لهما.
في الأوساط السياسية ضغط غير مباشر على الدولة، يجد صداه في الخارج أيضا ويتفاعل معه، من خلال انتقاد عدم تنفيذ قرار الحكومة المتخذ في نيسان الماضي بجعل بيروت الإدارية منزوعة السلاح مثلا، أو استكمال نزع سلاح المخيمات على نحو يرسل مؤشرات إيجابية للتحرك في الاتجاه الصحيح على الأقل، وفي مناطق تخضع لسيطرة الدولة في الأصل، فيما يقصّر المسؤولون المعنيون في تبرير عدم الإقدام في هذه الاتجاهات وشرح العوائق التي تحول دون ذلك. وهذه كلها خطوات تبث الثقة في استعادة الدولة اللبنانية هيبتها وقوتها، وتحمل رسائل قوية عن إرادتها استعادة حصر السلاح. وثمة من يقترح خطوات وإجراءات كثيرة لا بد منها في ظل انتظار قد يكون مضنيا ومكلفا، بما في ذلك محاولة إقناع الحزب بخيار بات محسوما في اتجاه الدولة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.