الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (2 من 3)
أولاً: بوبر وليڤيناس والأساس الأخلاقيّ–الحواريّ للفِدراليَّة
إذا كان مَن سبق من الفلاسفة والمفكِّرين قد أرسوا الأسسَ السياسيَّة للفدراليَّة كنظام حكْم، فإنَّ مارتن بوبر (1878–1965) وإيمانويل ليڤيناس (1906–1995) كلٌّ بأسلوبه، وحتى بتحفُّظاته، قد أمدُّوا بنيانها ودعَّموه بما كان ينقصُه من بُعْدٍ أخلاقيٍّ–حواريّ.
1) مارتن بوبر: "الأنا–الأنتَ" و"مجتمعُ المجتمعات"
يرى بوبر في كتابه «أنا وأنت» أنَّ «ال "أنت" تلاقي أنايَ بالنِّعمة... فكلمة أنا-أنت الأساسيَّة لا يمكن نُطقُها سوى بملء كيان الشخص. وكثافة ملء الوجود وانصهاره لا يمكن لهما أبدًا أن يتمَّا بي وحدي، كما لا يمكن لهما أبدًا أن يتمَّا من دوني» ، ويكمل معمِّقًا هذه المقولة شارحًا: «كلُّ حياةٍ حقيقيَّة هي لقاء».
على أنَّ بوبر، مع توكيده على هذه الأنطولوجيا الحِواريَّة كشرطٍ للبنيان الإنسانيّ ولاكتمال الفرادة البشريَّة، مع الآخر/ ال "أنت" ، لا بمعزلٍ عنه، ولكن دونما أيِّ طمسٍ لل "أنا" أو صَهرها عنوةً، لا يفوته، انطلاقًا من تحليله لواقعٍ اجتماعيّ واقتصاديّ معيَّن، أن يخصَّ الدَّولة المركزيَّة بنقدٍ صريح. فهو يقول في كتابِه «دروبٌ في اليوتوبيا» الصادر عام 1946 والذي ضمَّنه انتقادًا لاذعًا لما اعترى التجربة الإشتراكيَّة من تشويهاتٍ وأنواعَ متعدِّدة من الفساد خلال قرن: «الجوهر هو أن نحسمَ في الأَساسيَّات: إمَّا إعادة بناء المجتمع كاتّحاد روابط (League of Leagues) واختزال الدّولة إلى وظيفتها الصَّحيحة المتمثِّلة في صون الوَحدة؛ وإلَّا فسوف تبتلعُ الدولةُ المطلَقةُ القُدرة المجتمعَ العديم الشَّكل والبدائيّ (amorphous society)».
لقد طوَّر بوبر فكرته حول المجتمع الحقيقيّ الأصيل الذي يسعى «للتجدُّد البنيويّ وإستعادة المبادرة واستلامه زمام الأمور عبر خلق رابطة روابط جديدة consociatio consociationum». كما شدَّد على أنَّ «المجتمع لا يُبنَى أَبدًا من أفراد منعزلين شديدي التشرذم في خضوعهم للدولة، وإنّما من جماعاتٍ صغيرة تُكوِّنُ مجتمعَ المجتمعات (communitas communitatum). مجتمعٌ يكون عن حقّ اتَّحاد تجمُّعاتٍ associations هَمُّ كلُّ واحدةٍ منها نسجُ الحياة وبناؤها على أساس الجماعة الحُرَّة». ويخلص إلى القول: «إنَّ أيَّ اتّحادٍ عضويّ (organic commonwealth) لن يبنيَ نفسه على صعيد الأفراد، بل من مجتمعاتٍ صغيرة وتلك الأصغرَ منها: فالأمَّة تكون مجتمَعًا بقدر ما تكون هي مجتمَع المجتمَعات».

إيمانويل ليڤيناس
2) إيمانويل ليڤيناس: وجه الآخر والمسؤوليَّة اللّامُتناهيَة
أ- ليڤيناس والفدراليَّة: هل نظّر فيها صراحةً؟
يُعتبر إيمانويل ليڤيناس (1906–1995) مِن أبرز المفكِّرين الذين جعلوا من «الآخر» محورًا لفلسفتهم، فقد شكَّلتْ فلسفته إعادةَ تأسيسٍ جذريّة للفلسفة الأخلاقيَّة الغربيَّة، إذ اعتبرَ أنَّ العلاقة الأخلاقيَّة مع الآخر هي «الفلسفةُ الأولى» التي تسبقُ كلَّ معرفةٍ أو وجود. وعلى هذا الأساس، وضع ليڤيناس الآخر» في صميم تفكيره الفلسفيّ القائم على علم الأخلاق l’éthique والتعمُّق بمعرفة هذا الآخر بشكلٍ جوهريّ.
وهو، وإنْ لم يُنظّر للفدراليَّة، فإن فلسفته تُقدّم أساسًا معياريًّا لفهم كيف تصبح آليات تفكيك السُّلطة المركزيَّة الأحاديَّة وحماية التعدُّد المجتمعيّ بنيويًّا شرطَين للعدالة ولحماية الكرامة الإنسانيَّة. فليڤيناس ينطلق من مبدأ قوامه أنَّ كلّ نظامٍ سياسيّ يحمل بذرة العنف حين يتيح طغيان الكُلِّيّ على الجزئيّ. من هنا قدَّمتْ فلسفته نقدًا أخلاقيًّا صارمًا لكلّ نظامٍ يقوم على إلغاء فرادة الآخر ونفي التعدُّديَّة.
ب- مفهوم الآخر: التأسيس الفلسفيّ
عمدَ ليڤيناس في عمله المرجعيّ Totalité et Infini. Essai sur l'extériorité الى نقد الفلسفة الغربيّة بوصفها فلسفة «الكليَّة» (la totalité) ، وهي تقوم على مركزيّة الأنا، وتُرجِع كلَّ شيء إليه،كما تحاول اختزال الآخر ضمن مقولات الذات العارفة، إذ ترى أنَّ الوجود في جوهره ميلٌ للانكفاء والمحافظة على الذات . أما ليڤيناس فنظَّر في مواجهة هذا المنطق لما أسماه "اللانهائيَّة "L’Infini التي من أهمّ أسُسها الاعترافُ بالآخر في غيريَّته وفرادته، بحسب قوله: »لا يمكنُ لأحد أن يبقى حبيسَ ذاته: فإنسانيَّةُ الإنسان، والذاتيَّة، مسؤولية تجاه الآخرين، وهي شديدةُ الهشاشة. «يتوسَّع ليڤيناس ليستنبطَ من هذا الأمر مبدأً أخلاقيًّا يعيدُ صياغة مفهوم الوجود والعلاقة مع الذات والآخر بشكلٍ جوهريّ شديد الإبداع والتجديد.

مارتن بوبر. (أ ف ب)
ضمْن هذه الإطار الفلسفيّ، اكتسى «الوجه» (le visage) عند ليڤيناس أهميَّةً جوهريَّة، فهو ليس مجرَّد ملامح مادِّيَّة، بل حضورٌ يفرض عليَّ مسؤوليَّةً أخلاقيَّة لا مفرَّ منها، وهو تجلٍّ يستحيل تجريده إلى صورة أو مفهوم ما. «غَيريَّة» (l’altérité) هذا «الآخر» قائمةٌ بحدِّ ذاتها، وبالتالي ليس لأحد أن يسعى لجعله مشابهًا لذاته. وهو يؤكِّد بأنَّ »الوجه حاضرٌ في رفضِه أن يُحتوى. بهذا المعنى لا يمكن فهمه، أي لا يمكن احتواؤه«. ما يعني أنَّ «الوجه» يمثِّلُ عند ليڤيناس، في ما هو أبعد من المعنى الحسِّيّ البصريّ، التجلّي الأصيل للآخر في هشاشته وعُريه. ف «الوجه» ليس موضوعًا أنطولوجيًّا (لِيُعرَف) بل مكان لقاء وإمكانيَّة اكتشاف. واستطرادًا، فإنَّ كلّ محاولة لفهم «الآخر» من منظار الذات هي نوعٌ من أنواع الهيمنة عليه وإنكارٌ لفرادته وإلغاءٌ لها. يكتب ليڤيناس: "إنَّ غيريَّة الآخر لا تعتمد على أيّ صفةٍ تميّزه عني، لأن تمييزًا من هذا النوع من شأنه أن يعنيَ بالضبط ذاكَ القاسمَ المشترك بيننا الذي يلغي بالفعل الاختلاف".
الفدراليَّة: هل هي أَسمى الأنظمة الدِّيموقراطيَّة؟ (1 من 3)
كيف تعزِّز الفدراليَّة حقوق الإنسان والعدالة في المجتمعات التعدُّديَّة؟ بحثٌ على ضوء آراء بعض الفلاسفة، يتضمَّن مقارنة مع الأنظمة الشُّموليَّة.
ج- من الأخلاق إلى السياسة: التعدُّديَّة والعدالة
هذه الأسبقيَّة الوجوديَّة للأخلاق على السياسة هي حجر الأساس الذي يُمكن البناء عليه لفهم موقف ليڤيناس من أيّ نظامٍ سياسيّ يُهدّد بمحو هذا أوجُهَ الفرادة والتَّمايزضمن منطق الكتل أو الهويَّات الانصهاريَّة التوحيديَّة. فالمعيار الليڤيناسيّ الذي يصلح لتقييم الفدراليَّة يكمن في أنَّ أيّ بُنية سياسيَّة تتعامل مع التعدُّديَّة - والفدراليَّة في جوهرها استجابةٌ لتعدُّد الجماعات والهوِّياَّت - لا تستمدّ شرعيَّتها من كفاءتها الإداريَّة بل من قدرتها على احترام الخصوصيَّات وعدم تذويب الفرد والجماعات الخاصَّة لحساب "الكلِّيَّات" الأكثريَّة وتحقيقًا لمصالحها.
تجدر الإشارة أنه كان لليڤيناس العديد من التحفُّظات فيما يتعلَّق بالحلول البنيويَّة، والفدراليَّة بُنية مؤسسيَّة كمثيلاتها، حتى وإن اختلفتْ معها في الجوهر. فكلّ المؤسَّسات عنده بحاجة إلى نقدٍ مِن خارجها. لكنها تبقى لا غنى عنها لتحقيق العدالة، وترجمة العدالة عنده تكون بسَنّ القوانين التي تحفظ الحقوق وتؤمِّن هذه العدالة. على أنَّها (الدولة)، تبقى دائمًا عرضةً للتحوُّل إلى عنف - لأنَّ كلَّ نظامٍ سياسيّ يحمل بذورَ العنف داخله - إنْ هي نسيتْ أو تناسَت الأصلَ الأخلاقيّ الكامن في «وجه الآخر»، الذي يجب أن يُلزِمَ كلَّ تشريع.
ثمة "مقارناتٍ" ثلاث يمكن استنتاجٌها بين بعض المبادئ الفلسفيَّة التي نادى بها ليڤيناس من جهة، وصداها الضمنيّ في المقاربات الفدراليَّة كفلسفة حكم من جهة ثانية. المقارنة الأولى: لا يمكن اختزالُ الآخر في الكُلِّيّ عند ليڤيناس، فيما تدعو الفدراليَّة لعدم اختزال أيّ أقليَّة أو أقليَّات في الأغلبيَّة. المقارنة الثانية: يرى ليڤيناس أنَّ التعدُّديَّة أصيلة وليست طارئة أو هجينة، في حين تسعى الفدراليَّة إلى أن تكون التعدُّديَّة السِّياسيَّة بنيويَّةً وفي جوهر النِّظام، لا استثنائيَّة صُوريَّة أو مشوَّهة. والمقارنة الثالثة والأخيرة: يحذِّر ليڤيناس من أن تمحو "المؤسسة"، بما تحمله من عنفٍ مستتر، "وجه الآخر" وغيريَّته، ومن ناحيتها لا تكفّ الفدراليَّة من التذكير والتنبيه من الأخطار التي تشكِّلها الأنظمة الشديدة المركزيَّة على المجتمعات التعدُّديَّة، إنْ من حيث إنكارها للخصوصيَّات الثقافيَّة أو طمسها.
هكذا يتأكَّد أنَّ فكر ليڤيناس الفلسفيّ يدعو لجعل المسؤوليَّة الأخلاقيَّة تجاه الآخر أصلَ كلّ نظامٍ سياسيّ ومنهجَ كلّ عدالة إنسانيَّة، بعيدًا عن أيّ عنف. لأنَّ العنف يبدأ عندما يحاول البعض إخضاع الآخرين لايّ نظامٍ فكريّ أو سياسيّ أو عقائديّ يلغي خصوصيَّاتهم. فالأخلاق (الفرادة، الغيريَّة، ووجه الآخر) تسبق السياسة، وتسمو عليها، ويجب أن تسُوسَ كلّ بُناها وتسودَ عليها. إذّذاك تتحوَّل السّياسة من حقّ «الأنا» إلى واجب «الأنا» تجاه «الآخر» ومن الكلِّيَّة المغلَقة والمنغلِقة على ذاتها إلى احترام الغيريَّة والفرادة الإنسانيَّة والثَّقافيَّة، وهذا هو النَّقيض الأخلاقيّ لكلّ توتاليتاريَّة.
ثانياً: الفدراليَّة مقابل التوتاليتاريَّة — تحليل بنيويّ
من الممكن الآن استخلاص تحليل بنيويّ مُقارَن. فالنّظام الشُّموليّ، كما حلَّلته أرنت يتميَّز بأمور ثلاثة: سُلطة مركزيَّة مُطلَقة، وأَدلجة شاملة لكلّ ميادين الحياة، وتدمير ممنهَج للتَّعدُّد الإنسانيّ (human plurality).
على العكس من ذلك، تقوم الفدراليَّة على ثلاثة مبادئَ نقيضة بُنيويًّا: التَّوْزيع العموديّ للسُّلطة بين مَركزٍ وأقاليم، مع ما يعنيه من تشاركيَّة فاعلة في اتخاذ القرار من قبل من هم معنيِّون بالأمر، والتَّعدُّديَّة القانونيَّة الّتي تُتيح لكلّ وِحدة إداريَّة (ولاية/مقاطعة/كانتون) هامشًا تشريعيًّا يؤمِّن تلبيةً أوسع وأسرع وأكثر فاعليَّة لمجمل المتطلِّبات والتَّطلُّعات والهموم الحياتيَّة بغية تحسينها، والاعتراف الدُّستوريّ بالتَّعدُّديَّة الحضاريَّة-الثّقافيَّة والإجتماعيَّة كونها مصدر غنىً مع ما تحويه من طاقات ومقدّرات مفتوحة على آفاق الإبداع والتنافسيَّة الخلَّاقة، بعيدًا عن كلّ منطق اختزالٍ أو صهرٍ قسريّ.
يمكن ردُّ كلّ مبدأ من هذه المبادئ الثّلاثة إلى أصلٍ فلسفيّ سبق ذكره: التّوزيع العموديّ إلى مونتسكيو، والتَّعدُّديَّة القانونيَّة إلى رولز وهابرماس، والاعتراف بالتَّعدُّديِّة والآخر إلى بوبر وليڤيناس. على أنَّ الفدرالية ليستْ ضامنًا حتميًّا للدّيموقراطيَّة. فقد عرف التّاريخ "فدراليَّاتٍ" شكليَّةً كانتْ في حقيقتها أنظمةً شموليَّة مُقَنَّعة (الاتّحاد السُّوفياتيّ على سبيل المثال، الذي كانَ "اتّحادًا" بالاسم، ولا حرِّيَّات). لذا، ينبغي التّمييز بين الفدراليَّة بوصفِها بنيةً إداريَّة والفدراليَّة بوصفِها فلسفة ونظام حُكْم - تلك الّتي تستوفي شروطَ كانط ولوك ومونتسكيو ورولز وبوبر وليڤيناس.
* خبير في التّواصل الإستراتيجيّ، باحث في شؤون السياسة والتاريخ والروحانيّات، عضو في تجمُّع "اتحاديون"
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.