البديل من أجل ألمانيا... هل يكون البديل لأوروبا؟
بكل المقاييس، يعتبر فوز حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف الذي تقدم نتائج الانتخابات في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت، زلزالاً سياسياً ليس في ألمانيا فحسب، وإنما في أوروبا كلها.
وينظر إلى التقدم الذي أحرزه هذا الحزب الذي تأسس عام 2013، على أنه بمثابة سقوط للأحزاب التقليدية التي تولت الزمام في القارة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
والسؤال الأكثر إلحاحاً في هذه المناسبة: ما هي الأسباب التي تجعل الناخبين في ألمانيا، يتحولون عن أحزاب ما بعد الحرب، على رغم أنها هي التي أعادت البناء ورفعت البلاد في مرحلة من المراحل إلى مصاف الاقتصاد الثالث في العالم؟
للإحاطة بإجابة تسلط الضوء على جنوح الناخبين إلى اليمين المتطرف، على رغم أن الألمان لا يزالون يعيشون في ذكرى التجربة الكارثية التي جرّتها النازية على البلاد بين عامي 1933 و1945، يتعين لفت النظر إلى أن الألمان منذ وباء كورونا ومن بعده الحرب الروسية-الأوكرانية، يعيشون في ظل اقتصاد متباطيء وارتفاع ملحوظ في نسبة التضخم والبطالة، بالتزامن مع اقرار موازنة تسلح هي الأوسع على الصعيد الأوروبي، بدعوى وجود خطر روسي.
وعدم تعافي الاقتصاد من إغلاقات كورونا وانعكاسات النزاع الروسي-الأوكراني، وتحمل العبء الأكبر أوروبياً في مساندة كييف تسليحياً ومالياً، أثار الشكوك في جدوى سياسة حكومة المستشار فريدريتش ميرتس، الذي ينتمي إلى حزب الاتحاد المسيحي الديموقراطي، ومن قبله المستشار أولاف شولتس، الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي.
ولم يتأخر حزب البديل من أجل ألمانيا، في استغلال التراجع الاقتصادي، للتصويب على السياسات الحكومية، وخصوصاً في مجال الهجرة. وتأتي مناهضة الهجرة في رأس جدول أعمال اليمين المتطرف في ألمانيا وفي دول أوروبية أخرى. وعلى رغم أن ميرتس وضع قيوداً كثيرة على استقبال المهاجرين، فإن الناخبين كانوا يذهبون إلى صناديق الاقتراع، وهم على اقتناع بأن المهاجرين هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن الأزمة الاقتصادية.
في حقيقة الأمر، الناس يقترعون أحياناً ليس حباً بأحزاب اليمين المتطرف ولا بسياساتها الشعبوية المناهضة للاتحاد الأوروبي والمهادنة مع روسيا، وإنما يدلون بأصواتهم من منطلق الرغبة في معاقبة الأحزاب الحاكمة، حتى ولو أدى ذلك إلى خضات سياسية، تبعث الرعدة في أوصال الحكومات، من فرنسا إلى بريطانيا.
وفي ضوء الانتخابات المقررة في أنحاء أوروبا العام المقبل، يرى محللون أن النجاح اللافت الذي حققه حزب البديل من أجل ألمانيا، قد يكون نذيراً بانتصارات أخرى لليمين المتطرف، فضلاً عن كونه نموذجاً لكيفية تحقيق مثل هذه الانتصارات. ويتشارك الناخبون في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، في الكثير من المظالم والهموم ذاتها التي يعاني منها الناخبون في ألمانيا.
وسيختار الناخبون الفرنسيون رئيساً جديداً في الربيع المقبل، كما من المقرر إجراء انتخابات في إسبانيا بحلول آب/ أغسطس، وفي إيطاليا بحلول نهاية العام المقبل. وتشهد هذه الدول جميعها صعوداً قوياً لمرشحي اليمين المتطرف، مما يهدد القادة الحاليين الذين يُحمّلون مسؤولية المشاكل الهيكلية في اقتصادات بلدانهم.
وفي فرنسا، ينهي الرئيس إيمانويل ماكرون ولايته الثانية في الربيع المقبل، وتتقدم مارين لوبان -مرشحة حزب التجمع الوطني، وهو الحزب الرئيسي لليمين المتطرف في فرنسا- بفارق مريح في استطلاعات الرأي الخاصة بالجولة الأولى، بل إنها تصدّرت النتائج في مواجهات الجولة الثانية في استطلاعات أجريت أخيراً. وهذا يضعها على مقربة من السلطة أكثر من أي وقت مضى خلال مساعيها للوصول إلى الرئاسة التي استمرت 14 عاماً.
وفي إسبانيا، رأى محللون أن حزب "فوكس" اليميني المتطرف، قد ينجح في شق طريقه نحو الحكومة الائتلافية المقبلة، في ظل تضرر سمعة الحكومة الحالية -التي يقودها الاشتراكيون- جراء فضائح فساد وأزمة هجرة. أما في بريطانيا، فقد أطاح حزب العمال الحاكم رئيس وزرائه كير ستارمر، في تموز، في محاولة لاستعادة الزخم في مواجهة حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني المتطرف الذي يشهد صعوداً سريعاً.
ألمانيا، هي مؤشر على مزاج الرأي العام في قارة لطالما عاشت مخاضات وتحولات حددت مصير العالم أجمع... وعلى المحك قبل كل شيء هي الديموقراطية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.