"جيم 1983" يعود إلى بيروت فائزاً... طفل من زمن الحرب يهزّ ختام مهرجان السينما الأوروبية
اختتم مهرجان السينما الأوروبية في لبنان دورته الثلاثين بتتويج فيلم "جيم 1983" المستوحى من تجربة شخصية للكاتب والمنتج المنفّذ جورج مكتبي، ومن إخراج جورج أبو محيّا، في أمسية تنافست فيها عشرة أفلام لبنانية قصيرة، حضرت الحرب في عدد لافت منها. وبين دموع لجنة التحكيم وشهادات صنّاع الفيلم، عادت إلى الشاشة طفولة لبنانية لم تُغلق الحرب صفحاتها بعد.
بقي "جيم" في السابعة من عمره، فيما مرّت ثلاثة وأربعون عاماً على بيروت التي عرفها. مساء السبت، عاد الطفل الذي حاول إيقاف الحرب بخياله إلى مدينته، من شاشة سينما "متروبوليس" هذه المرّة. لم يتغيّر الكثير في أحلامه الصغيرة؛ لا يزال يريد أن يلعب، وأن يعبر شوارع بيروت من دون خوف، مستعيناً ببطل طفولته "غرندايزر" ليمنح مدينته هدنة من صوت الرصاص.
لكنّ ما بدا حكاية من الماضي لم يكن بعيداً عن حاضر اللبنانيين. ففي القاعة، استعاد بعض الحاضرين طفولتهم مع الحرب، فيما وجد آخرون في الفيلم شيئاً من تجارب أحدث. وبين هؤلاء وأولئك، كانت لجنة التحكيم تحاول أن تستوعب وقع فيلم قصير، انتهى عرضه تاركاً وراءه دموعاً وتصفيقاً.

لحظة الاحتفاء بفوز فيلم جيم 1983 بجائزة مسابقة الأفلام اللبنانية القصيرة، في ختام الدورة الثلاثين من مهرجان السينما الأوروبية في سينما متروبوليس ببيروت. (النهار)
هكذا برز "جيم 1983" (Jeem 1983)، في ختام الدورة الثلاثين من مهرجان السينما الأوروبية في لبنان، مساء 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حاصداً جائزة مسابقة الأفلام اللبنانية القصيرة، في أمسية احتضنتها سينما "متروبوليس" في مار مخايل.
عشرة أفلام... والحرب حاضرة بأكثر من صورة
جاء الختام بعد عشرة أيام من العروض واللقاءات السينمائية، في دورة احتفت بثلاثين عاماً من حضور المهرجان في لبنان، وقدّمت أفلاماً أوروبية حديثة، وكلاسيكيات مرمّمة، وتجارب في الواقع الافتراضي، إلى جانب حضور لبناني في البرنامج.
أمّا الأمسية الأخيرة، فكانت من نصيب عشرة أفلام قصيرة، هي "جيم 1983" لجورج أبو محيّا، و"The Boy's Fish" لحسن علي، و"Shelter" لكيارا فينتشنتي زاخيا، و"À poil" لسارة مرّ، و"Catocalypse" لنوح سماحة، و"Eventually All Clouds Disappear" لتاتيانا موزايا، و"Has She Taken Off Yet?" لمارينيل غوش، و"Suspension" لنور عقيقي، و"XIKN’AL" لرالف موسى، و"DOULA" لشادي يونس.

ملصقات عدد من الأفلام اللبنانية القصيرة المشاركة في الدورة الثلاثين من مهرجان السينما الأوروبية في لبنان، في سينما متروبوليس ببيروت. (النهار)
اختلفت الحكايات بين الدراما والخيال العلمي والرسوم المتحرّكة، لكنّ الحرب وجدت طريقها إلى عدد منها. طفل يحاول إنقاذ سمكته من تحت الأنقاض، وآخر يختبئ تحت البيانو مع بدء القصف، ولبنان مستقبلي لا يزال يرزح تحت وطأة النزاعات. وفي أعمال أخرى، حضرت الصداقة والعلاقات الإنسانية وأسئلة الهوية والفقد.
ليس مستغرباً أن تتسلّل الحرب إلى أفلام هذا الجيل، وفق ما يراه الممثل جورج خبّاز، عضو لجنة التحكيم. "السينما هي انعكاس لظروفنا، انعكاس لواقعنا، انعكاس لجدلياتنا، لتناقضاتنا، لعبثيتنا"، يقول لـ"النهار"، مشيراً إلى أنّ الحروب وتداعياتها رافقت اللبنانيين طويلاً، ومن الطبيعي أن تجد مكاناً لها في أعمالهم.
ولا يخفي خبّاز تفاؤله بمستقبل السينما اللبنانية الشابة، مشيداً بالمستوى الذي لمسه في النصوص والإخراج والصورة والصوت والمونتاج، ومعتبراً أنّ الاهتمام بالتقنيات لا ينفصل عن عنصر يراه حاسماً في أي عمل فني: الصدق. ويختصر رأيه بالقول: "الصدق هو اللي بيودّي".

من أجواء الدورة الثلاثين لمهرجان السينما الأوروبية في لبنان، التي استضافتها سينما متروبوليس في بيروت من 8 إلى 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (النهار)
"جيم 1983" يحصد الجائزة... وثلاثة تنويهات خاصة
في ختام المنافسة، أعلنت لجنة التحكيم، المؤلّفة من جورج خبّاز والممثلة ريتا حايك والناقد والمستشار السينمائي إلياس دُمّر، فوز "جيم 1983" بجائزة المسابقة، فيما نالت ثلاثة أفلام تنويهات خاصة: "The Boy's Fish" لحسن علي، و"Has She Taken Off Yet?" لمارينيل غوش، و"DOULA" لشادي يونس.
والفيلم الفائز، وهو عمل رسوم متحرّكة ثنائي الأبعاد يمتدّ على 16 دقيقة، يستعيد بيروت عام 1983 من خلال طفل في السابعة، يحاول أن يجد لنفسه مساحة آمنة وسط الحرب الأهلية.
تعود جذور الحكاية إلى تجربة شخصية عاشها الكاتب والمنتج المنفّذ جورج مكتبي، الذي فقد والده خلال الحرب وهو في سنّ مبكرة، وظلّت تلك الخسارة جزءاً من ذاكرته. ومن هذه التجربة وُلدت قصة "جيم"، التي شارك مكتبي في كتابة سيناريوها مع المخرج جورج أبو محيّا وفرح شقير، المشاركة أيضاً في إنتاج الفيلم.
في عالم "جيم"، يصبح الخيال وسيلة لمقاومة الخوف. يستحضر الطفل "غرندايزر"، ويفرض هدنة على طريقته، يلهو خلالها في شوارع بيروت، ويلتقي أطفالاً آخرين، ويسخر من رجال الميليشيات. وللحظات، تستعيد المدينة شيئاً من حياتها. لكنّ انتهاء الهدنة يعيده إلى واقع لا يستطيع طفل أن يغيّره بمفرده.
فيلم "جيم 1983": عندما يقرّر طفل ألّا ينتظر وقف إطلاق النار
جيم… الطفل الذي أوقف الحرب ساعةً واحدة
تمنح الرسوم البسيطة والألوان العمل حساسيته الخاصة، فيما تؤدّي الموسيقى التصويرية، التي وضعها المؤلّف الموسيقي البريطاني فاذر سبتمبر (Father September)، المعروف أيضاً باسم بول سترود، دوراً أساسياً في نقل المشاعر. ففي فيلم يكاد يخلو من الحوار، تصبح الموسيقى صوت الشخصيات، وترافق تحوّلات الحكاية بين براءة الطفولة وقسوة الحرب، حتى تبدو في بعض المشاهد كأنّها تتكلّم نيابةً عمّن عجزوا عن الكلام.
وقد استوحى صنّاعه بعض مشاهده من صور المصوّر اللبناني رمزي حيدر خلال الحرب، لتلتقي الذاكرة الموثّقة بالكاميرا مع ما تمنّى الخيال أن يحدث بدلاً منها.

مشهد من فيلم جيم 1983 للمخرج جورج أبو محيّا، حيث يحاول طفل أن يواجه قسوة الحرب الأهلية اللبنانية بخياله، ويعيد الحياة إلى شوارع بيروت المدمّرة. (النهار)
حين عبرت الدموع حدود الشاشة
ثمّة مشاهد لا تنتهي بانتهاء الفيلم، وتظلّ ترافقك طويلاً. في أحدها، يعيد "جيم" بخياله ساقاً إلى طفلة فقدتها، فتعود لترقص الباليه، كأنّ الحرب لم تمرّ يوماً بجسدها الصغير. مشهد يحمل جمالاً موجعاً؛ فما يعجز الواقع عن إصلاحه، يمنحه الخيال فرصة أخرى، ولو للحظات...
وفي مشهد آخر، يبكي الطفل أمام صورة والده الراحل، وإذا بالأب في الصورة يذرف الدموع أيضاً فيما تعبر الدموع حدود الصورة والشاشة، لتصل إلينا نحن الجالسين في القاعة.
ثلاثة عوالم جمعها مشهد واحد، وحزن واحد امتدّ من الطفل إلى أبيه، ومنهما إلى عيون المشاهدين.
ومن مقعدي في القاعة، لم أتوقّع أن يتركني فيلم رسوم متحرّكة بهذا القدر من التأثّر. منذ زمن لم أختبر هذا الإحساس أمام شاشة سينمائية، ووجدت نفسي أقف مصفّقةً في أكثر من لحظة، أمام مشاهد استطاعت أن تقول بالصورة والموسيقى ما قد تعجز الكلمات عن نقله.
ولعلّ الأكثر إيلاماً أنّ حكاية تعود إلى عام 1983 لا تبدو بعيدة عن حاضرنا. فمن السهل أن نجد "جيم" في وجه طفل فقد والده خلال حرب حديثة، أو أن نتعرّف إلى تلك الطفلة التي استعادت ساقها في الخيال، في حكايات أطفال آخرين فقدوا أطرافهم وأحلامهم. ثلاثة وأربعون عاماً مرّت، ولا تزال صور الحرب قادرة على أن تجد ما يشبهها في واقع لبنان اليوم.

من فيلم جيم 1983، حيث يعيد خيال الطفل إلى طفلة فقدت ساقها في الحرب القدرة على رقص الباليه، في مشهد مؤثّر يستعيد فيه الخيال ما سلبه الواقع. (النهار)
فيلم تحريك فرض نفسه... ودموع تجاوزت لجنة التحكيم
في حديثها إلى "النهار"، تكشف ريتا حايك أنّ "جيم 1983" لم يحتج إلى نقاش طويل داخل لجنة التحكيم بشأن استحقاقه الفوز. فقد كان التأثّر بالغاً، إلى حدّ أنّ أعضاء اللجنة الثلاثة وجدوا أنفسهم أمام فيلم أثار دموعهم وتصفيقهم.
وتلفت حايك إلى أنّ استمرار الشباب اللبنانيين في صناعة السينما، رغم كل ما يحيط بهم، يحمل قيمة كبيرة بحدّ ذاته. فالإبداع، بالنسبة إليهم، وسيلة للتعبير عن الوجع والفرح، وطريقة لمواصلة الحياة.
أما إلياس دُمّر، فيتوقف عند نقطة سينمائية لافتة: فوز فيلم تحريك في منافسة لا تحظى فيها هذه الأعمال دائماً بما تستحقّه من اهتمام. لكنّ "جيم 1983"، بقوّته الفنية وتأثيره، فرض نفسه على لجنة التحكيم، متجاوزاً أي تردّد قد يرتبط بنوعه السينمائي.
ويلفت دُمّر أيضاً إلى أهمية الموسيقى والتصميم الصوتي في "جيم 1983"، حيث يتولّى الصوت جانباً أساسياً من السرد في غياب الحوار.
أما جورج خبّاز، فلا يتردّد في وصف الفيلم بأنّه "بياخد العقل"، معتبراً إيّاه واحداً من أجمل أفلام التحريك التي شاهدها في حياته.

مشهد من فيلم جيم 1983، يستحضر صور المصوّر اللبناني رمزي حيدر، موثّقاً طفولة أنهكتها الحرب وسط شوارع بيروت المدمّرة. (النهار)
فرح شقير... "منسلّم جيل ورا جيل حرب"
لم تكن عودة "جيم 1983" إلى بيروت محطة عادية بالنسبة إلى فرح شقير، المشاركة في كتابة الفيلم وإنتاجه.
تروي لـ"النهار" أنّ العمل عليه تزامن مع حرب جديدة في لبنان، وكان الفريق يخشى ألّا تتوقف الحرب ليتمكّن من عرضه في بيروت. وحين وصل أخيراً إلى الجمهور اللبناني، اختلطت فرحتها بغصّة، في ظلّ استمرار الحروب في الجنوب والمنطقة.
وتستعيد شقير بداية المشروع، عندما روى جورج مكتبي قصته لفريق العمل. يومها، اكتشف الجميع أنّ الحكاية تشبه الكثير من تجارب أبناء جيلهم، وربما مصائر من جاؤوا بعدهم.
وكأنّه بلبنان نحنا طول الوقت منسلّم جيل ورا جيل حرب
تقول شقير.
وكان لحضور ابنتها العرض وقع خاص عليها، بعدما ساهمت الصغيرة بكتابة اسم "جيم" بخط يدها واعتمد صنّاع الفيلم كتابتها في عنوان العمل.
وبين طفل من عام 1983 وطفلة تشاهد حكايته اليوم، وجدت شقير نفسها أمام أمنية بسيطة: أن يتمكّن الجيل الجديد من توسيع مساحات الأمل، وألّا يضطر الأطفال إلى أن يكبروا قبل أوانهم، كما حدث مع جيلها.
جورج أبو محيّا... الفنّ كي نحتمل ما نعيشه
من جهته، لا يقيس المخرج جورج أبو محيّا نجاح "جيم 1983" بعدد الجوائز وحده، وإن كان الفيلم قد قطع رحلة لافتة بين المهرجانات الدولية. فمن التنويه الخاص في مهرجان البحر الأحمر السينمائي عام 2025، إلى الجائزة الذهبية "ساتوشي كون" لأفضل فيلم تحريك قصير في مهرجان "فانتازيا" السينمائي الدولي بكندا عام 2026، مروراً بجائزة أفضل فيلم تحريك ضمن جوائز نيويورك السينمائية الدولية في آذار/مارس من العام نفسه، استطاعت حكاية الطفل اللبناني أن تجد طريقها إلى جمهور بعيد عن المكان الذي وُلدت فيه.

مشهد من فيلم جيم 1983، يجلس فيه طفل إلى جانب بندقية وسط جدار مثقوب بالرصاص، فيما تحاول ألوان الطفولة أن تمنح ذاكرة الحرب شيئاً من الحياة. (النهار)
لكنّ أبو محيّا يرى أنّ قيمة الفنّ تتجاوز التكريمات، وتكمن في قدرته على التعبير عن المعاناة وتحويل الألم إلى تجربة مشتركة تساعد الناس على احتماله. وهو يؤمن بقدرة الأعمال الفنية على إلهام الأجيال الجديدة ودفعها إلى إحداث تغيير في مجتمعاتها.
"حلّنا الوحيد نجرّب نعمل فن"، يقول لـ"النهار"، مشيراً إلى حماسته لخوض تجارب جديدة مع فريق العمل نفسه، من دون أن تشغله الوجهة المقبلة بقدر ما يهمّه إنجاز عمل يحبّه ويؤمن به.
طفل واحد... وذاكرة أجيال
ربما لو قُدّر لوالد جورج مكتبي أن يرى اليوم ما صنعه ابنه من تلك الذكرى المؤلمة، لكانت دموعه مختلفة عن تلك التي رأيناها في الفيلم. لعلّها كانت ستصبح دموع فخر بطفل كبر رغم الفقد، وحمل حكاية أبيه معه طوال هذه السنوات، قبل أن يحوّلها إلى عمل فني وصل إلى قلوب غرباء لم يعرفوا قصته، لكنّهم بكوا معه.

جيم، الطفل الذي أعاد فيلم جيم 1983 حكاية طفولته إلى الشاشة، وسط شوارع بيروت المثقلة بذكريات الحرب الأهلية. (النهار)
عاد "جيم" إلى بيروت، ولا يزال طفلاً في السابعة. لم يطلب الكثير؛ أراد أن يلعب في شوارع مدينته، وأن يعود إلى بيته من دون خوف. لكنّ أكثر ما يوجع في حكايته أنّ الأطفال الذين يعيشون الحروب اليوم قد يتمنّون الأشياء البسيطة نفسها.
على الشاشة، استطاع "جيم" بخياله أن يوقف الحرب لبعض الوقت. أمّا خارجها، فلا يُفترض أن تُترك هذه المهمّة لطفل، ولا لبطل خارق.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.