ميرتس في كييف... رسالة إلى موسكو أم تمهيد للمفاوضات؟
حملت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026 رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود التضامن مع أوكرانيا في زمن الحرب.
ووصل ميرتس إلى العاصمة الأوكرانية فيما كانت صفارات الإنذار تدوي، والهجمات الروسية بالطائرات المسيّرة والصواريخ تستهدف البنية التحتية الأوكرانية. وفي هذا المشهد، أعلنت برلين حزمة جديدة من المساعدات تتجاوز الـ 1.3 مليار يورو، بينها نحو مليار يورو للمجال العسكري، و350 مليون يورو لدعم قطاع الطاقة.
الرسالة الألمانية واضحة، أوكرانيا لن تُترك وحدها، وأمنها أصبح جزءاً من حسابات الأمن الأوروبي. لكن خلف هذا الدعم العسكري سؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع برلين أن تستخدم القوة والدعم العسكري لدفع موسكو في النهاية إلى طاولة المفاوضات؟
يبدو ميرتس مقتنعاً بأن الطريق إلى التفاوض لا يمر عبر إضعاف أوكرانيا أو الضغط عليها لتقديم تنازلات، وإنما عبر تعزيز قدرتها على الصمود ورفع كلفة استمرار الحرب على روسيا. ولهذا تركز ألمانيا بصورة متزايدة على الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة الاعتراضية، والأسلحة بعيدة المدى، والتعاون في الصناعات الدفاعية. وقد تضمنت التفاهمات الألمانية ـ الأوكرانية الأخيرة اتفاقات جديدة في مجالات الدفاع والطاقة والإنتاج العسكري.
هذه الاستراتيجية تقوم على معادلة بسيطة في ظاهرها: كلما أصبحت أوكرانيا أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، تراجعت فرص روسيا في تحقيق أهدافها بالقوة، وربما أصبحت المفاوضات أكثر جاذبية لموسكو. لكن السياسة الدولية ليست بهذه البساطة.
روسيا قد لا تنظر إلى زيادة الدعم الأوروبي باعتبارها حافزاً للتفاوض، بل قد تعتبرها سبباً لمواصلة التصعيد، كما أن قرار الكرملين بشأن الحرب لا تحدده برلين وحدها، بل يتأثر بموازين القوى على الأرض، والموقف الأميركي، والقدرة الأوروبية على الاستمرار في تقديم الدعم، والحسابات السياسية والعسكرية الروسية.
مع ذلك، هناك تطور مهمّ يجعل المشهد أكثر تعقيدًا وأهمية. فقد أعلن الرئيس الأوكراني زيلينسكي، بالتزامن مع لقاء ميرتس في كييف، استعداد بلاده للمشاركة في محادثات ثلاثية مع الولايات المتحدة وروسيا خلال أكتوبر 2026، بما في ذلك إمكانية عقدها في الإمارات العربية المتحدة أو في مكان آخر تقترحه واشنطن.
هنا تحديداً تظهر أهمية الدور الألماني؛ فبرلين لا تملك وحدها مفاتيح التفاوض مع موسكو، لكنها تملك قدرة متزايدة على التأثير في البيئة التي ستجري فيها أي مفاوضات. وكلما كان الموقف الأوروبي أكثر تماسكًا، أصبح من الصعب على موسكو التعامل مع الدول الأوروبية بصورة منفردة أو استغلال الخلافات بينها.
تواجه حكومة ميرتس تحدّياً داخلياً؛ فاستمرار الحرب يعني استمرار الإنفاق العسكري والاقتصادي، فيما تتزايد الحساسية السياسية تجاه تقديم مساعدات بمليارات اليوروات. ولذلك، فإن قدرة المستشار الألماني على الاستمرار في هذه السياسة ستبقى مرتبطة أيضًا بقدرته على إقناع الرأي العام الألماني بأن دعم أوكرانيا ليس مجرد التزام خارجي، وإنما استثمار في أمن ألمانيا وأوروبا.
المشكلة أن الضغط العسكري وحده لا يصنع السلام، كما أن الدبلوماسية وحدها قد لا تنتج اتفاقًا قابلًا للاستمرار. المطلوب هو الجمع بين الاثنين. وهذا ما تحاول برلين فعله: تقوية أوكرانيا من جهة، والإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا من جهة أخرى.
تبدو برلين مصمّمة على مواصلة هذا الرهان. لكن الطريق إلى طاولة المفاوضات لن يكون مستقيمًا، وقد يكون أطول ممّا تتوقعه العواصم الأوروبية. فالحرب لا تنتهي عندما يرغب طرف في التفاوض، وإنما عندما تقتنع الأطراف بأن استمرارها لم يعد يحقق أهدافها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.