"المجلة" تحاور الرجل الذي اعتقل الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين... أسرار تُروى بعد 60 عاماً (1 من 5)

هناك قصص صحافية لا تنتهي بعد نشرها. تبقى مفتوحة. بعد سنوات، تعود إليك أو تعود إليها. تكتشف أن ما اعتقدت أنك عرفت جميع جوانبه، لم يكن سوى جزء من الرواية. قصة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين في سوريا، واحدة منها.
بدأت علاقتي الصحافية بهذه القصة قبل أكثر من عقدين. في مارس 2004، أجريت مقابلة مع اللواء صلاح الضللي، رئيس المحكمة الاستثنائية التي حاكمت كوهين وحكمت عليه بالإعدام في دمشق عام 1965. كنت مراسلاً صحافياً في دمشق. أردت يومها أن أسمع القصة من رجل قرأ ملف كوهين، وجلس أمامه في المحكمة، واستجوبه، ثم كان شاهداً على ساعاته الأخيرة قبل اقتياده إلى حبل المشنقة في ساحة المرجة وسط العاصمة.
كان الضللي يتحدث عن كوهين بطريقة تختلف كثيراً عن الصورة التي صنعتها إسرائيل عنه لاحقاً. سألته عن الجاسوس الذي قيل إنه وصل إلى قلب الدولة السورية، واقترب من كبار المسؤولين، وحصل على أسرار عسكرية غيرت حسابات إسرائيل. كان جوابه أقل إثارة بكثير من أسطورة كوهين. قال لي: "المعلومات التي كان يستقيها لم تكن لها قيمة، لأنه لم يكن يستطيع طرح أسئلة لها قيمة كي لا يكشف نفسه. كان يسمع حديثاً عادياً".
قد يقول البعض إن هذه السردية الرسمية طبيعية كي تبرر العجز في منع الاختراق الإسرائيلي. لم يكن الضللي ينفي أن كوهين كان جاسوساً إسرائيلياً وأنه نجح في بناء شبكة علاقات في دمشق وإرسال معلومات إلى إسرائيل، لكنه كان يرفض تحويله إلى الرجل الخارق الذي اخترق قمة النظام.
قال إن إحدى المعلومات المهمة التي نجح كوهين في إرسالها كانت استقالة أحد أركان النظام، اللواء محمد عمران قبل أن تصل إلى بعض دوائر القيادة السورية. لكنه رفض روايات أخرى كثيرة، بينها الحديث عن علاقات وثيقة مع رئيس الدولة أمين الحافظ والقائدين "البعثيين" ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، ووصف بعضها بأنها "من نسج خيال الاستخبارات الإسرائيلية".
كان الضللي يحتفظ أيضاً بصورة مختلفة عن نهاية كوهين. روى لي وقتذاك، كيف أُحضر الجاسوس إلى ساحة المرجة، وكيف حضر حاخام يهودي، وكيف كان كوهين في لحظاته الأخيرة "متوازناً وطبيعياً". سأله الضللي عن وصيته، فكتب رسالة إلى زوجته ناديا. وبعد الصلاة والإجراءات الأخيرة، انتهت حياة الرجل الذي دخل سوريا باسم كامل أمين ثابت، وأصبح بعد إعدامه واحداً من أشهر رموز الاستخبارات الإسرائيلية.
أخطاء تاريخية في مسلسل "الجاسوس"
لكن موته لم ينه القصة. تحول مكان جثمانه إلى لغز. قال لي الضللي إن كوهين دُفن بداية "في كهف على طريق الديماس قرب دمشق"، ثم نُقل رفاته إلى مكان آخر. ومنذ ذلك الوقت، صار البحث الإسرائيلي عن الجثمان فصلاً آخر من قصة كوهين، واختلطت فيه الاستخبارات بالسياسة والمفاوضات والأساطير.
مرت السنوات. في 2019، أعادت "نتفليكس" إيلي كوهين إلى الحياة، هذه المرة على الشاشة، في مسلسل "الجاسوس". كنت قد ذهبت إلى المنفى في لندن بعد اندلاع الثورة في 2011. في العاصمة البريطانية، شاهدت الحلقات الست. كنت أعرف جزءاً من القصة من مقابلتي مع الضللي، وقرأت خلال السنوات الكثير من الروايات السورية والإسرائيلية عن كوهين، لذلك كان من الصعب أن أشاهد المسلسل باعتباره مجرد دراما.
كتبت يومها في الزميلة "الشرق الأوسط" عن "عشرة أخطاء تاريخية" في المسلسل. لم تكن المسألة بالنسبة إليّ خلافاً على حق العمل الدرامي في استخدام الخيال. المشكلة كانت في المسافة بين الدراما والتاريخ، وفي أن بعض المشاهد التي ستبقى في ذاكرة ملايين المشاهدين لم تحدث أصلاً.
الرجل الذي كان يترأس وحدة عسكرية سورية، وكان في قلب العملية التي انتهت بكشف إيلي كوهين والقبض عليه... بعد أكثر من ستين عاماً على إعدام كوهين، الرجل لا يزال حياً ويعيش بصحة جيدة في دمشق
ظهر كوهين في المسلسل قريباً من مركز السلطة السورية، يتحرك بين كبار المسؤولين، ويقيم علاقات مع شخصيات من الصف الأول، حتى بدا أحياناً كأنه يعيش داخل النظام لا على هامشه. لكن الوقائع كانت أكثر تعقيداً. لم يكن أمين الحافظ موجوداً في بوينس آيرس في الفترة التي قدم فيها المسلسل بداية العلاقة بين الرجلين بالصورة التي ظهرت على الشاشة. ولم يكن كوهين صديقاً لميشيل عفلق. والشخص الذي ارتبط اسمه بعلاقة كوهين بعائلة زهر الدين لم يكن اللواء عبد الكريم زهر الدين، كما أوحى العمل، بل قريبه الضابط الاحتياط معزز زهر الدين. كما أن بعض المناصب التي استخدمها المسلسل في حبكته لم تكن موجودة أصلاً في بنية الدولة السورية في ذلك الوقت.
حتى دمشق التي رأيتها على الشاشة لم تكن دمشق التي أعرفها. أبو رمانة، الشوارع، البيوت، المسافات بين منزل كوهين ومؤسسات الدولة والسفارات؛ كانت هناك دمشق درامية صنعتها الشاشة، ودمشق أخرى بقيت في الوثائق وشهادات الذين عاشوا تلك السنوات.
لكن السؤال الأهم بقي بالنسبة إليّ خارج المسلسل: كيف سقط إيلي كوهين؟ من كشفه فعلاً؟
الروايات كثيرة ومتضاربة. هناك من تحدث عن أجهزة سوفياتية ساعدت السوريين في تحديد مصدر البث اللاسلكي. وروايات تحدثت عن تشويش دفع إلى البحث عن جهاز إرسال يعمل بصورة غير طبيعية في قلب دمشق. ورواية عن دور مصري. وأخرى أعطت اللواء أحمد السويداني دوراً مركزياً في كشفه. ومع مرور السنوات، كان شهود القصة يرحلون واحداً بعد آخر، بينما تكبر الأسطورة.
صفحة لا تغلق... من أوقع الجاسوس؟
اعتقدت أن الصفحة أغلقت تقريباً، إلى أن وصلتني خلال زيارتي الى دمشق في يوليو/تموز الماضي، معلومة لم أصدقها في البداية. قيل لي إن سعيد جاويش لا يزال على قيد الحياة.
سألت مرة ثانية للتأكد: سعيد جاويش نفسه؟ الرجل الذي كان يترأس وحدة عسكرية سورية، وكان في قلب العملية التي انتهت بكشف إيلي كوهين والقبض عليه؟ نعم. بعد أكثر من ستين عاماً على إعدام كوهين، الرجل لا يزال حياً ويعيش بصحة جيدة في دمشق.
بدأت أبحث عنه. لم يكن الأمر سهلاً. بعد جهد حصلت على رقم هاتف. اتصلت وانتظرت. جاءني صوت نقي من رجل مسن من الطرف الآخر. عرّفت بنفسي وقلت له لماذا أتصل. كان لطيفاً، وصوته هادئاً. لم تكن لديه مشكلة في الكلام عن تلك الأيام. قال إن صحته تسمح له بالحديث، وإن ذاكرته لا تزال تحتفظ بالتفاصيل، لكنه يعاني ضعفاً شديداً في النظر. قلت له إنني سأعود إلى دمشق، فوافق على أن نلتقي.
عندما وصلت إلى دمشق اتصلت به مجدداً. لم يعطني عنواناً بالطريقة المعتادة. أعطاني وصفاً تقريبياً للمكان على الطريقة الاستخباراتية. سألني عن ملامحي وقال إن شخصاً سينتظرني في الشارع وسيكون في يده كتاب كي أعرفه وسيبحث عن رجل يرتدي نظارات سوداء سميكة.
ذهبت في الموعد. كانت تلك دمشق أخرى. بعيداً من الشوارع التي ازدحمت خلال السنوات الأخيرة بالمقاهي والمطاعم والواجهات الجديدة، دخلت شارعاً قديماً ومتعباً. الإسفلت مهترئ، والأبنية قديمة، وبعض واجهاتها أكلها الزمن والرطوبة والغبار. آثار سنوات طويلة من الإهمال ظاهرة على الجدران والشرفات والأبواب.
نظرت إليه للحظات. كنت أحاول أن أجمع صورتين في رأسي. الرجل المسن الجالس أمامي، والضابط الذي كان قبل أكثر من ستين عاماً جزءاً من واحدة من أشهر عمليات مكافحة التجسس في تاريخ سوريا
كلما تقدمت، ضاق الشارع. دخلت حارات أضيق، بيوت دمشقية في أبنية إسمنية قديمة متلاصقة، ونوافذ قريبة من بعضها، وأسلاك كهرباء تمتد فوق الرؤوس وبين الأبنية. أبواب حديدية وخشبية عتيقة، وجدران تغير لونها، ورطوبة في بعض الزوايا، وقمامة هنا وهناك. لم تكن دمشق البطاقة البريدية، ولا دمشق قاسيون والياسمين التي اعتادت الكتب أن تصفها. كانت دمشق أخرى. خارجة من عباءة نظام أتعبها لعقود. متعبة وفقيرة، تحمل على جدرانها وأبوابها آثار ما مر بها. وكانت هناك رائحة. خليط من الرطوبة والمياه الآسنة والبيوت القديمة والقمامة والشارع الذي لم تصله يد الصيانة منذ زمن. رائحة لا تحتاج إلى تفسير. سنوات الحرب وعقود النهب كفيلة بالتفسير. كانت جزءاً من المكان، مثل الأبنية المتعبة والأسلاك المتدلية والحارات الضيقة.
رجل يحمل كتابا يقودني إلى صائد "الجاسوس"
وسط كل ذلك كنت أبحث عن رجل يحمل كتاباً في يده اليمنى. بدت الفكرة غريبة. في شارع دمشقي قديم، بعد أكثر من ستين عاماً على واحدة من أشهر عمليات التجسس في الشرق الأوسط، كانت كلمة السر بيني وبين شاهد بقي من تلك القصة، مجرد كتاب في يد رجل لا أعرفه.
نزلت من السيارة. اتصلت به. طلب مني السير مئتي متر إضافية. مشيت. راقبت المارة والأيدي. بعد قليل خرج رجل من وراء جدار. رأى نظارتي السوداء. كان يحمل كتاباً في يده. اقتربت منه. واقترب مني. عرفني وعرفته من الإشارة المتفق عليها. لم نتحدث كثيراً. أشار إليّ أن أتبعه. مشيت خلفه. انتقلنا من شارع عام إلى حارة، ومنها إلى ممر أضيق.
كنت أتبع الرجل بين البيوت المتعبة، فيما كانت قصة أخرى من دمشق القديمة تدور في رأسي. قبل أكثر من ستين عاماً، كان رجال آخرون يسيرون في شوارع الضفة الأخرى من هذه المدينة بحثاً عن رجل يعيش بينهم باسم كامل أمين ثابت، فيما كان اسمه الحقيقي إيلي كوهين.
وصلنا إلى البناء. باب حديدي قديم. دخلنا. كان البناء قديماً مثل الحي، بمدخل ضيق ومصعد لا يمكن الاعتماد دائماً على وجود الكهرباء لتشغيله. كنا محظوظين في ذلك اليوم. كانت الكهرباء موجودة. ضغط الرجل على زر المصعد، فتح الباب وصعدنا. في بلد أصبحت فيه الكهرباء جزءاً من حسابات الحياة اليومية، كان وجودها في تلك الدقائق كافياً ليختصر علينا صعود الدرج إلى منزل رجل فصلت بين شبابه ولقائنا أكثر من ستة عقود.
توقف المصعد. خرجنا. فتح باب الشقة الخشبي ودخلت. كان هناك رجل وراء مروحة تبريد. يجلس على كرسي. جسم متماسك وأنيق. حليق الذقن يرتدي نظارات سوداء شمسية بسبب ضعف بصره. تقدمت نحوه وسلمت عليه، ثم جلسنا.
نظرت إليه للحظات. كنت أحاول أن أجمع صورتين في رأسي. الرجل المسن الجالس أمامي، والضابط الذي كان قبل أكثر من ستين عاماً جزءاً من واحدة من أشهر عمليات مكافحة التجسس في تاريخ سوريا. خلف النظارات السوداء، عينان بالكاد تساعدانه الآن على رؤية من يجلس أمامه، لكن عندما بدأ الحديث، كان الزمن يعود إلى الوراء وكانت ذاكرته تتدفق كنهر بردى في شوارع دمشق.
هذه المرة لم تكن أمامي وثيقة، ولم تكن رواية إسرائيلية، ولم يكن مسلسلاً على "نتفليكس". كان أمامي رجل من تلك الأيام. رجل يقول إنه كان هناك عندما بدأت الحلقة الأخيرة في حياة إيلي كوهين
جلست بينه وبين نافذة. بين اليوم وستة عقود. كان جبل قاسيون هناك. التفت نحوه. من البيت الدمشقي الذي كنا نجلس فيه كنت أرى من بعيد المنطقة ورؤوس البنايات التي عاش فيها إيلي كوهين. هناك كان المنزل الذي دخل إليه باسم كامل أمين ثابت، وأقام فيه، واستقبل معارفه، واستخدم جهاز الإرسال لإرسال برقياته السرية إلى إسرائيل، قبل أن تنتهي قصته في دمشق.
المسافة على الخريطة ليست كبيرة، لكن بين ذلك المنزل وهذا الكرسي أكثر من ستين عاماً.
قبل أكثر من عقدين جلست أمام صلاح الضللي، الرجل الذي حاكم إيلي كوهين وحكم عليه بالإعدام. وبعد ذلك بسنوات شاهدت فيلم "الجاسوس"، وعدت إلى الوثائق والشهادات، وكتبت عن الأخطاء بين ما وقع في دمشق وما ظهر على الشاشة. ثم تابعت، مثل كثيرين، الفصول التي أضيفت إلى قصة كوهين: ساعته التي قالت إسرائيل إنها استعادتها في عملية استخباراتية، والوثائق والصور التي ظهرت، والمحاولات الإسرائيلية المتكررة لمعرفة مكان رفاته واستعادته.
في كل مرة كنت أعتقد أن القصة اقتربت من نهايتها، كان يظهر فصل جديد. لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. لم تكن أمامي وثيقة، ولم تكن رواية إسرائيلية، ولم يكن مسلسلاً على "نتفليكس". كان أمامي رجل من تلك الأيام. رجل يقول إنه كان هناك عندما بدأت الحلقة الأخيرة في حياة إيلي كوهين.
حملت معي أسئلة كثيرة عن تفاصيل تلك القصة. كيف كشفه؟ كيف اعتقله؟ هل كان جاسوسا مهماً؟ أين رفاته؟ أين ساعته؟ هل هناك جواسيس آخرون؟
جئت لأسمع أجوبة. رواية رجل عاش المرحلة. ذاكرته حاضره. وراءنا جبل قاسيون، وفي مكان غير بعيد البيت الذي بدأت منه النهاية. وضعت ثلاثة أجهزة تسجيل على طاولة بيننا. وقلت له: "أستاذ سعيد لقد بدأت التسجيل". قال: "تفضل". وهذا نص الحوار في حلقات:
الحلقة الأولى: فلسطينيان علّماه العبرية في دمشق ثم انضم إلى "سرية الإشارة"... طريق سعيد جاويش الذي سبق كشف إيلي كوهين
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.