"أجواء ما قبل يناير"... لماذا تصعّد منصات "الإخوان" حملاتها على الشرطة المصرية؟
شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، خلال الأيام الأخيرة، موجة كثيفة من مقاطع الفيديو والتدوينات التي تتضمن اتهامات لضباط وأفراد في وزارة الداخلية بارتكاب تجاوزات وانتهاكات، فيما سارعت الوزارة إلى الرد على عدد منها، مؤكدة أن بعض الوقائع قديم، وأن روايات أخرى تخالف ما توصلت إليه التحقيقات الرسمية.
وتثير كثافة النشر، وطريقة إعادة تدوير بعض المقاطع، تساؤلات عما إذا كانت منصات مرتبطة بـ"جماعة الإخوان المسلمين"، التي تصنفها السلطات المصرية تنظيماً إرهابياً، تحاول استعادة أجواء سبقت أحداث 25 كانون الثاني/يناير 2011، عندما تحولت وقائع فردية مرتبطة بالشرطة إلى قضايا رأي عام واسعة.
ويرى محللون أن التركيز الحالي على القطاع الأمني يعيد إلى الأذهان تجربة خالد سعيد، الذي تحولت قضيته عام 2010 إلى أحد أبرز رموز الغضب من الشرطة، وسط محاولات لتوظيف وقائع فردية جديدة وإعادة نشر أخرى قديمة بهدف توسيع مساحة الاحتقان الشعبي.
وتشارك منصات محسوبة على "الإخوان"، وفي مقدمها "شبكة رصد"، بكثافة في نشر هذه المقاطع، فيما تقول وزارة الداخلية إن بعضها أعيد تقديمه خارج سياقه الزمني أو استند إلى روايات تختلف عن نتائج التحقيقات الرسمية.
وقائع قديمة تعود إلى الواجهة
من أحدث الحالات التي أثارت تفاعلاً واسعاً إعادة نشر صفحات محسوبة على "الإخوان" مقطع فيديو لسيدة تتهم الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على نجلها "دون وجه حق" ووفاته داخل أحد أقسام الشرطة في محافظة مرسى مطروح.
وقالت وزارة الداخلية، مساء السبت، إن الفيديو "قديم سبق تداوله من خلال ذات الصفحات التابعة للجماعة الإرهابية عام 2022، وقد تم نشر بيان على الصفحة الرسمية للوزارة يوضح حقيقة الواقعة آنذاك، والتي تتمثل في أن المذكور عنصر جنائي سبق اتهامه في عدد من القضايا، وكان محبوساً بقرار من النيابة العامة على ذمة قضية سرقة، وحال شعوره بحالة إعياء تم نقله لإحدى المستشفيات لتلقى العلاج اللازم إلا أنه توفى، وأفاد التقرير الطبي بوفاته نتيجة هبوط حاد لانسحاب المواد المخدرة".
وجاء المقطع ضمن سلسلة منشورات انتشرت خلال الأيام الماضية، تتعلق بوقائع تقول السلطات إن بعضها قديم، وإن أجزاء من بعضها الآخر اقتطعت من سياقها.
كما روجت منصات "الإخوان" على نطاق واسع مقاطع لسيدة تدعى دينا عزت، اتهمت فيها قوة أمنية باعتقال زوجها "تعسفياً" والاستيلاء على مبالغ مالية من منزلها.
وردت الداخلية بأن الزوج أوقف بتهمة الاتجار في المخدرات، وأن الأموال المشار إليها كانت ضمن المضبوطات. وتولت جهات التحقيق القضية، فيما أُخلي سبيل عزت لاحقاً بكفالة على ذمة التحقيق.
استعادة "أجواء ما قبل يناير"
يرى الباحث المتخصص في حركات الإسلام السياسي حسام الحداد أن "الجماعة تعيد استدعاء الرموز والآليات التي سبقت أحداث كانون الثاني/يناير 2011".
ويقول الحداد لـ"النهار": "يسعى 'الإخوان' لإعادة بناء صورة المظلومية التي شكلت طوال تاريخهم أداة رئيسية لاستقطاب التضامن الشعبي، في محاولة للتغطية على حالة التراجع السياسي، والتفكك التنظيمي الذي يعاني منه التنظيم، عبر توجيه الغضب العام نحو هدف أمني مباشر".
ويعتقد أن "في مقدمة تلك الأهداف، تفكيك ثقة المواطن في مؤسسات الدولة الوطنية، خصوصاً وزارة الداخلية، لخلق حالة من السيولة الأمنية، والتشكيك الدائم في الخطاب الرسمي".
ويضيف: "كما تهدف إلى إعادة تدوير الخطاب الاحتجاجي لدى القوى الشبابية والحقوقية، عبر استخدام تقنيات الشحن العاطفي والتركيز على مفاهيم المظلومية الفردية، لتحويلها إلى قضايا رأي عام تسهم في كسر حالة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي".
ويتابع: "الجماعة تظن أن الشارع المصري يمكن تحريكه بالآليات والأساليب نفسها. وتعتمد هذه المحاولات على الاستثمار في الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية لمزجها بالحالة الإنسانية المفتعلة، بغرض إيجاد نقطة اشتعال تحفز التظاهر والاحتجاج، وإعادة إحياء مشروعها السياسي الذي انحسر كلياً عقب ثورة 30 حزيران/يونيو 2013".
البحث عن نقطة انفجار؟
منذ خروج "الإخوان" من الحكم عام 2013، شكلت منصاتهم الإعلامية ومواقع التواصل ساحة أساسية لمواجهة السلطات المصرية، فيما تتهمهم الحكومة بالوقوف وراء حملات متكررة لنشر معلومات مضللة واستثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تأليب الرأي العام.
ويكتسب التركيز المتزايد على الشرطة دلالة خاصة إذا قورن باتجاهات الشائعات المسجلة خلال الأشهر الماضية. فبحسب تقرير للمركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن النصف الأول من عام 2026، ارتفع معدل الشائعات 113 في المئة مقارنة بالفترة المقابلة من عام 2025.
وتركزت النسبة الأكبر في قطاعات تمس الحياة اليومية للمصريين، إذ جاء الاقتصاد في الصدارة بنحو 14 في المئة، تليه الطاقة بـ13 في المئة والتموين بـ11 في المئة، فيما دخل القطاع الأمني ضمن قطاعات "أخرى" التي شكلت نسبة محدودة من الإجمالي.

إحصائية نشرها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري.
وفي حين يرى البعض أن "الإخوان" لا يزالون يبحثون عن نقطة انفجار للشارع المصري، تذهب قراءات أخرى إلى ربط هذه الحملات بحالة التفكك التي يعيشها التنظيم وتوزعه على جبهات متصارعة، تسعى كل منها إلى إثبات حضورها وقدرتها على التأثير.
غير أن المشكلة التي تواجه هذه المحاولات تبدو أعمق من قدرة التنظيم على إنتاج المحتوى ونشره. فاستدعاء أدوات ما قبل كانون الثاني/يناير 2011 لا يعني بالضرورة القدرة على استعادة الظروف السياسية والاجتماعية نفسها. وبعد أكثر من 15 عاماً، يبدو الشارع المصري أقل استعداداً للاستجابة إلى دعوات تعيد إنتاج تجربة انتهت إلى سنوات من الاضطراب والصراع السياسي.
وهنا تكمن المعضلة أمام "الإخوان". فحتى مع تكثيف التركيز على الشرطة ومحاولة تحويل وقائع فردية إلى قضايا رأي عام، لا تظهر حتى الآن مؤشرات إلى نجاح الحملة في خلق الزخم الشعبي الذي تبحث عنه الجماعة. وبينما تختلف التفسيرات بشأن أهدافها، يبقى الرهان على إعادة إنتاج أجواء 2011 أصعب بكثير من مجرد استعادة خطابها ورموزها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.