أشباح 1848 تحوم فوق «القارة العجوز»
هل ما يحدث في فرنسا، وما بدأ يمتد إلى بعض المدن الأوروبية، مجرد موجة احتجاجات متفرقة، أم أنه تكرار معاصر لما عرفته أوروبا في ربيع الشعوب عام 1848؟ وهل هي إعادة تموضع للنفوذ والثروة، إلى جانب التحولات التكنولوجية المتسارعة، وإنتاج التأثير نفسه الذي تركته التحولات الاقتصادية والاجتماعية في القرن التاسع عشر على الناس ورفاهيتهم وقلقهم من المستقبل؟
لم يكن ربيع الشعوب الذي اجتاح أوروبا عام 1848 مجرد سلسلة من الانتفاضات العابرة، بل لحظة تاريخية انكشفت فيها هشاشة أنظمة لم تعد قادرة على احتواء التناقضات المتراكمة داخل مجتمعاتها. يومها، التقت أزمات الخبز والبطالة بالمطالب الدستورية والقومية، فانتقلت شرارة الثورة من باريس إلى عواصم ومدن أوروبية أخرى، ووضعت شرعية الملكيات القائمة أمام اختبار لم تكن مستعدة له.
بعد نحو 178 عاماً، يعود السؤال إلى أوروبا، لكن في ظروف أكثر تعقيداً: هل تتجه القارة نحو ربيع شعوب جديد، أم أنها تدخل خريفاً سياسياً تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات، وتتسع فيه الهوة بين وعود الديموقراطية والقدرة الفعلية للدولة على حماية مواطنيها؟
ما تشهده فرنسا ومدن أوروبية أخرى لا يكفي لإعلان ولادة ثورة قارية؛ فالاحتجاجات تختلف في أسبابها وأهدافها، ولا يجمعها برنامج سياسي موحد. لكن تزامن الغضب الاجتماعي مع أعباء الحروب والمديونية والتضخم والاستقطاب الحاد بين اليمين واليسار يكشف عن أزمة أوسع من مجرد خلاف على موازنة أو أجور أو خدمات عامة.
إنها أزمة تتعلق بالسؤال عن أوروبا التي يريدها مواطنوها، وعن قدرة نموذجها السياسي والاقتصادي على الصمود في عالم تتقدم فيه اعتبارات القوة والأمن على حسابات الرفاه والاستقرار الاجتماعي.
لم تعد أوروبا تواجه أزماتها الداخلية بمعزل عن محيطها الدولي. فالحرب الروسية على أوكرانيا أعادت الأمن العسكري إلى صدارة الأولويات الأوروبية، ودفعت دولاً إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، فيما أعادت المواجهة مع إيران تداعيات الصراعات الإقليمية إلى حسابات الطاقة والتجارة والأمن.
في عام 2025، بلغ الإنفاق العسكري في أوروبا نحو 864 مليار دولار، بزيادة قدرها 14 في المئة عن العام السابق، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. ويعكس هذا الارتفاع حجم التحول الذي أحدثته البيئة الأمنية الجديدة في حسابات الحكومات الأوروبية.
وهنا تبدأ إحدى مفارقات المرحلة: فالدولة التي تطلب من مواطنيها تحمّل أعباء مالية إضافية باسم الأمن القومي تجد نفسها مطالبة أيضاً بإقناعهم بأن أمنهم الاجتماعي لن يكون الثمن الذي يدفعونه مقابل أمن الحدود والتحالفات.
ومع أي تصعيد عسكري يرفع أسعار الطاقة أو يهدد طرق التجارة والإمدادات، يمكن أن تنتقل كلفة الصراع من الجبهات إلى المنازل، ومن أسواق النفط إلى فواتير التدفئة والنقل والغذاء. وهكذا يصبح المواطن الأوروبي، حتى حين لا يكون طرفاً مباشراً في الحرب، معنياً بنتائجها اليومية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.